ترجمات

ماذا وراء “الملف النووي الإيراني” الذي “سرقته” إسرائيل

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن الموساد استولى على “أرشيف سري لبرنامج إيران النووي”، اتضح منه أن طهران كانت تخدع المجتمع الدولي طوال الوقت، واستمرت في العمل على إنتاج سلاحٍ نووي. كان من الممكن أن يؤخذ هذا التصريح من قبيل النكتة، ولكن النكات انتهت للأسف. فالحديث يدور عن تهديدٍ خطيرٍ فعلًا.

يؤكد الإسرائيليون أنهم سيسلمون المواد المسروقة من إيران إلى الأمم المتحدة وإلى منظمة حظر انتشار الأسلحة النووية، ولكنهم يكتفون الآن بتسليمها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ولهذا الغرض، نُظمَ في إسرائيل عرض، تولى فيه رئيس الوزراء نتنياهو دور ستيفن جوبز. اختير الوقت المناسب للعرض، حيث سيتخذ ترامب في 12 أيار/ مايو قراره النهائي بشأن “الصفقة الإيرانية”. وبالفعل، يحتاج الأمر هنا إلى مهارات جوبز الاستعراضية، لدفع واشنطن نهائيًا في طريق اتباع سياسة القوة مع إيران.

عملية القرن

جرى العرض في مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية، وتحدث رئيس الوزراء بالإنجليزية، وليس بلغته الأم، الأمر الذي يرسل بحد ذاته إشارات معينة. وبالنتيجة، وصف المعلقون الأميركيون -أصدقاء إسرائيل- العرض بـ “المسرحي”. أشار نتنياهو إلى الوثائق والأقراص المضغوطة المرتبة خلفه قائلًا: “هذه الوثائق تثبت أن إيران كذبت بلا خجل، عندما صرحت بأنها لم تعمل إطلاقًا على إنتاج السلاح النووي”. نتنياهو قال إن الفُرس كانوا يخزنون “الأرشيف النووي” طوال الوقت، في ضاحية (شورا باد) قرب طهران. وأضاف أن إسرائيل “تمكنت، منذ بضعة أسابيع، بفضل عملية استخباراتية بالغة التعقيد، من الحصول على المواد من هذا المجمع”.

يدّعي أن الاستخبارات الإسرائيلية قد تمكنت من الحصول على 55 ألف صفحة من الوثائق السرية، ونحو 183 قرصًا مضغوطًا من المعلومات التي لا تقل سرية. وتظهر هذه الوثائق أن البرنامج الإيراني السري لإنتاج السلاح النووي المسمى (آماد) يمكنه الحصول على 5 قنابل نووية بقوة 10 كيلو طن.

بمجرد أن سمعت وسائل الإعلام الإسرائيلية بهذا؛ بدأت دفعةً واحدة بترديد أغاني النصر، وأن الاستخبارات الإسرائيلية حصلت على وثائق أصلية.

لم يمر الأمر دون كيل المديح لإنجازات الاستخبارات والجيش، وبالنتيجة ضاع جوهر الموضوع، كما جرت العادة في إسرائيل المعاصرة التي تمجد ذاتها.

يفترض الرئيس الأميركي أن (آماد) أي “الخطة” مستمرة حتى الآن. وعلى هذا الأساس، يصرّ على وقف الصفقة النووية مع إيران التي لا تعرف نتائجها. أمّا إسرائيل فتقوم في الشهور الأخيرة بكل ما تستطيع، لتظهر إيران بصورة الشر العالمي؛ ما سيدفع الرئيس ترامب إلى القطع نهائيًا مع الصفقة النووية، وربما على بدء أعمالٍ عسكرية ضد إيران. والآن رفوف “الأرشيف النووي” السري أصبحت في حوزة الموساد الرائع. وها هو رئيس الموساد الحالي قد توجه شخصيًا إلى الولايات المتحدة الأميركية وقدم الوثائق إلى مدير C.I.A حينذاك: مايك بومبيو، الذي أوصلها بدوره إلى ترامب.

“تحولت عملية الاستخبارات الإسرائيلي بسرعة إلى حكاياتٍ من تفاصيل غير كاملة. فالفرس، كما زعموا، قاموا بإخفاء أرشيفهم النووي كله في مكانٍ واحد، وتضمنت الإجراءات ضدهم الرشاوى، والعامل البشري، والمراقبة على كامل الأراضي الإيرانية، وأخيرًا سرقة وإخراج هذه الكمية الكبيرة من الوثائق الأصلية، على الرغم من أن مكان الأرشيف كان معروفًا لدائرة ضيقة جدًا من المسؤولين، ويتولى (الحرس الثوري) حراسته.

شارك في العملية الإسرائيلية عدة مجموعاتٍ وبعض “العملاء/ الجواسيس”، الذين يُعدّ وجودهم بالنسبة إلى المصادر الإسرائيلية خاصية حصرية لأذكى دولةٍ في العالم؛ فمثل هؤلاء ليسوا موجودين لدى أي دولةٍ أخرى، حسب زعم الإسرائيليين (والأمر المزعج أن نصف هؤلاء المدعين درسوا في مدارس موسكو، ونصفهم الآخر في كييف). ويقال إن مبالغ مالية طائلة أُنفقت على هذه العملية، وبلغ وزن المواد المسروقة نصف طن، الأمر الذي ركز عليه نتنياهو أثناء عرضه.

وفي الوقت نفسه، لم يلاحظ الفرس فورًا فقدان الأرشيف، وعندما أدركوا ذلك، بعد مضي عدة أسابيع، شعروا بالقلق. ومن جانبها، لم تكن السلطات الإسرائيلية تنوي الإدلاء بتصريحاتٍ رسمية تنفي أو تؤكد، بل كانت لتكتفي بتسريب معتاد إلى وسائل الإعلام. وفي كل الأحوال، ستكون مصادر المعلومات الاستخباراتية والعملاء في دائرة الخط. ولكن، بعد مناقشاتٍ مطولة في رئاسة الوزراء الإسرائيلي، اتخذ نتنياهو القرار بأن يكشف شخصيًا عن “الأرشيف الإيراني”. أي فليذهب العملاء إلى الجحيم، ولتشنقهم إيران جميعهم، سنشتري غيرهم!

كالأطفال الصغار

الجميع في إسرائيل يحب الموساد. ويصل الحب لدى البعض إلى درجة العبادة لدى المراهقين، حيث تنسب للمعبود صفات فوق العادة. خلال 60 عامًا الماضية، أنفق الموساد والهيئات المرتبطة به مبالغ هائلة في سبيل خلق صورة “جهاز الاستخبارات الأكثر كفاءةً في العالم”، فأصدر كتبًا بملايين النسخ حول “عملية عنتاب”، اختطاف إيهمان، الاستيلاء على مقاتلة روسية في العراق وغيرها من القصص المتميزة فعلًا. وفي الوقت نفسه، لا يشار -إلا مرورًا- إلى الإخفاقات الجلية (وفقط عندما لا يمكن إغفالها) التي تفوق أعدادها قصص النجاح (على سبيل المثال، الفشل الاستخباراتي الذريع في حرب يوم الغفران: حيث كان ينبغي تسريح كامل المؤسسة لعدم الكفاءة، وكان يجب إرسال قادتها لحفر الخنادق في الجولان).

لهذا يؤمن الجميع بالموساد. يؤمنون بأن هذا المؤسسة قادرة على سرقة، من تحت أنف الفرس الغافلين، نصف طنٍ من الوثائق التي تفضحهم على المستوى العالمي. ويشار خاصةً إلى المسافة: 1600 كم قطعتها الوثائق من إيران ليستعرضها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باللغة الإنجليزية، ويسلمها بعد ذلك لترامب.

نتنياهو لم يقدم شيئًا جديدًا، وهذا ما يعترف به المحللون الأميركيون من أصدقاء إسرائيل. مع ذلك، تستمر الاحتفالات في إسرائيل ابتهاجًا بعبقرية الاستخبارات (الموساد)، ويؤكد وزير الخارجية الأميركي أن “الملف الإيراني” الذي سلمه يوسي كوهين يثبت “خرق إيران للصفقة النووية”.

ولنفترض أن الفرس خطرَ ببالهم الاحتفاظ بالوثائق التي تثبت عملهم سرًا على إنتاج القنبلة النووية. فهم في نهاية الأمر أمة عريقة، قد يكون داريوس وقابوس قد أوصاهم بحفظ الوثائق كإرثٍ تاريخي. ولكن حفظها في مكانٍ واحد؟ وجميعها دفعةً واحدة؟ وتسمية الكنز بـ “الخطة- آماد”، وتكليف الحرس الثوري بحمايتها، والتكتم لدرجة لا يعرف بشأن الأمر سوى بضعة أشخاصٍ من وزارة الدفاع”. وفوق ذلك كله، نصف طنٍ من الورق، يمكن حفظها على 183 قرص صلبٍ يمكن شراؤها من أي متجر. إنها حكاية لا يمكن لعاقلٍ أن يصدقها.

إيران ليست دولة من العصور الوسطى. بالرغم من وجود تصورٍ خاص حول بنية الدولة هناك، فإنه ليس مجتمع أغبياء. لأنه في مجتمع من الأغبياء فقط، يمكن تخيل وجود أرشيف سري للغاية، محفوظ في “مبنًى لا يثير الانتباه في أطراف العاصمة الجنوبية (ويبدو المكان قريبًا من مرآبٍ ما، بحسب العرض الذي قدمه نتنياهو). لم ينقص المشهد إلا خريطة تشير إلى مكان الكنز في الصحراء، كما في أفلام القراصنة الكاريبيين!

تعالوا نتصور معكم للحظة، أن لديكم مرآبًا تخفون فيه شيئًا ثمينًا، يمكن أن يفجر العالم، بكل ما للكلمة من معنى، ويعرف بالأمر بضع أشخاصٍ مسؤولين وبضع مئات من الحمالين وعمال النظيفات والنقل والحراسة… إلخ. وفجأةً يختفي كل هذا، لأن عملاء المخابرات الإسرائيلية سرقوا الوثائق الأصلية، الأمر الذي لم يكن بمقدور استخبارات دولةٍ أُخرى القيام به. وبالطبع، الفرس عمي بكم وأغبياء لدرجة لم يلحظوا فقدان كنزهم إلا بعد مرور شهرٍ. ولنفترض أن الأمر حدث هكذا. ولكن تبقى مشكلة واحدة: ليس في العالم كله “أرشيف سري” يوجد كمجموعةٍ واحدة من الوثائق. وفي حال العكس، يجب أن نصدق أن محسن فخري زاده، الذي يعتبر أب البرنامج النووي الإيراني، هو مجرد طفل رضيع. وبالمناسبة، أولى نتنياهو هذا الرجل اهتمامًا خاصًا في حديثه الاستعراضي، وتحدث عن مكان سكنه وطريقة تنقله والحراسة المشددة عليه.

يؤكد الموساد أن بحوزته أماكن توضع كاميرات المراقبة في المجمع الجامعي في طهران، وأن ممرًا خصص لدخول وخروج محسن فخري زاده. ويدعي الموساد أن فخري زاده كتب: “يجب علينا أن ندعي أن مشروع (آماد) قد أوقف”.

فوق كوخ السلام الفارسي

منذ زمنٍ، أصبح من الضروري احتساب كمية المعلومات المضللة التي ضختها إسرائيل للبشرية خلال الأشهر الماضية، بالكيلو طن. فإسرائيل مرةً بعد أُخرى تفجر قنابل إعلامية، هدفها الوحيد الوصول إلى الرأي العام الغربي الناطق بالإنجليزية، والأميركي بالدرجة الأولى.

وهنا يحضر “الكوريدور الشيعي” الشهير، وهي أيضًا “اليد الشيعية” التي تمدها طهران، بمساعدة الأسد وبوتين، إلى حدود إسرائيل. وهنا أيضا تحضر الـ 200 “صاروخ باليستي” التي دمرت في سورية مؤخرًا. والآن “الأرشيف النووي”. لم يعد الأمر مضحكًا. فعلى الرغم من العرض الهزيل الذي قدمه نتنياهو، فهناك من هم مستعدون للتصديق سلفًا، ولا يطلبون البراهين.

للأسف، نحن مضطرون إلى استخدام عباراتٍ سوفيتية نمطية، ولكنها تشخص الوضع تمامًا: الطغمة العسكرية الإسرائيلية تؤجج الحرب في الشرق الأوسط، وهي حرب كبيرة، إذا ما جُرّ ترامب إلى مهاجمة طهران. ومن غير الممكن اليوم أن نفهم مستوى فبركة “الأرشيف النووي الإيراني”، وما هو مضمون الملفات والأقراص المضغوطة خلف نتنياهو. ولكن من غير الممكن أيضًا إقناع المجتمع الغربي، أن كل هذا عبارة عن عرض مبتذلٍ في سلسلة أعمالٍ استخباراتية. فهذا المجتمع مقتنع أن الناس في أوديسا قد أضرموا بأنفسهم النار، وأن الاستخبارات الروسية قد حاولت اغتيال العميل السابق سكريبال.

 

 

اسم المقالة الأصلية Что стоит за «иранским ядерным досье», которое «похитил» Израиль
كاتب المقالة يفعيني كروتيكوف
مكان وتاريخ النشر  صحيفة فزغلياد. 4 أيار 2018
رابط المقالة https://vz.ru/world/2018/5/4/920928.html

 

ترجمة سمير رمان

مقالات ذات صلة

إغلاق