تحقيقات وتقارير سياسية

تعقيدات الصراع السوري.. هل من تسوية!

أمسى السوريون ضحية صراع على السلطة؛ إذ تئن سورية تحت وطأة حرب ضروس، بدأها النظام منذ ما يزيد عن سبعة أعوام، وتسببت في مقتل نحو نصف مليون سوري، جلهم من المدنيين الأبرياء، إضافة إلى تشريد ما يزيد عن 12 مليون شخص، داخل سورية وخارجها. وقد وصل النزاع في سورية إلى مستوى من العنف والوحشية، فاق أي نزاع داخلي آخر خلال العصر الحديث؛ حيث أدى إلى تدمير البلد وتفكيك نسيج المجتمع السوري الذي طالما تميز بالتعددية والتنوع.

برز الصراع على السلطة في سورية بشكل جلي، بعد جلاء المستعمر الفرنسي عنها في نيسان/ أبريل 1946. وعلى الرغم من أن القوى السياسية التي كانت فاعلة على الساحة السورية احتكمَت، خلال السنوات الأولى التي تلت الجلاء، إلى قواعد اللعبة الديمقراطية، فإن سورية سرعان ما دخلت مرحلة الانقلابات العسكرية المتتالية، وكان آخرها انقلاب حافظ الأسد عام 1970 الذي أنتج نظامًا شموليًا قائمًا على الاستبداد والفساد، ولاحقًا على توريث السلطة.

السبب الأساس للصراعات المحلية مرده الإحباط الذي يتولد داخل المجتمع، نتيجة استبداد السلطة، وما يرتبط بذلك من مصادرة للحريات الأساسية وإقصاء المواطنين عن المشاركة في الحياة السياسية، وممارسة القمع والتهميش بحقهم، والامتناع عن تلبية متطلبات أو احتياجات فئات وشرائح اجتماعية واسعة. هذه السياسات من شأنها أن تمهد بالضرورة لنشوء الصراعات وأعمال العنف الداخلي، ليس بدافع ردة الفعل، أو التنفيس عن الغضب الناجم عن الإحباط، بل تعبيرًا عن رفض الخضوع وعدم الرغبة في مواصلة القبول بالذل والإقصاء والتمييز والقمع والتهميش والإفقار. كما أن فساد النظام الحاكم من شأنه أن يفضي إلى نشوء الصراعات الداخلية، جراء تنكّر السلطة الحاكمة لحاجات المواطن والحرمان الاجتماعي، والتمييز المجحف في توزيع موارد البلد المتاحة، بمعزل عن درجة تطور اقتصاد البلد المعني. وللصراعات الأهلية تبعات نفسية واجتماعية في منتهى الخطورة، إذا ما قيست بالحروب الدولية، حيث إنها تُحدث في معظم الأحيان شرخًا حادًا بين شرائح وأفراد المجتمع، وتؤسس لحالة من الحقد والكره الشديدين، وتؤجج مشاعر الانتقام والأخذ بالثأر، لدى كثيرين من أبناء المجتمع الواحد. وإضافة إلى عنصري القسوة والتأثير الاجتماعي اللذين يُعدّان من المميزات الأساسية للحروب الدولية والمحلية على حد سواء، فإن ما يميز الصراعات الداخلية هو طبيعة الخلاف بين الجهات المتصارعة وخلفيات النزاع؛ فالصراعات المحلية دافعها السيطرة على مقاليد الحكم، تحت طائلة تصحيح المظالم بحق فئات وشرائح معينة داخل الدولة.

إن أسباب وحيثيات الصراعات المحلية، وما تنطوي عليه من تعقيدات، تجعل من تسويتها مهمة صعبة المنال، وهي تحتاج إلى وقت طويل، يتخلله بذل جهود مضنية. وغالبًا ما تكون تسوية الصراعات المحلية عملية مستعصية؛ بسبب تشطي العلاقات المجتمعية، وانقسام العائلات وأفراد الأسرة الواحدة، وتحطم أواصر الصداقات، وتفكك المجتمعات المحلية.

استبداد نظام الأسد الشمولي وفساده هو السبب الرئيس في نشوب الصراع الدامي في سورية، فقد كان بالإمكان تلافي حدوث الحرب، بمجرد قبول النظام فتح قنوات تواصل تتيح للمظلومين والمهمشين والمقموعين التعبير عن مطالبهم السياسية والاجتماعية، والقيام بتحول ديمقراطي تدريجي، مبني على سيادة القانون واحترام حقوق الجميع من دون تمييز. ولا شك في أن إطالة أمد النزاع المسلح في سورية قد جعلت الصراع أكثر تعقيدًا، وبات يهدد وحدة الدولة الكلية واحتمالات تقسيمها إلى كيانات منفصلة. والأمر الثابت أن الحسم العسكري في سورية هو أمرٌ صعب المنال، بسبب مواصلة قوى عظمى وإقليمية سياسات إذكاء الصراع وإطالة أمده وتقاسم مناطق النفوذ؛ ما جعل سورية مقسمة بحكم الأمر الواقع. وعلى ضوء هذا الواقع الأليم؛ يتعين على السوريين الإجماع حول استراتيجية شاملة قائمة على وقف الحرب أولًا، ومن ثم الشروع بوضع الأسس الكفيلة بتحقيق السلم والعدالة للجميع، من خلال عملية سياسية تقوم على مبدأ الحفاظ على وحدة الدولة، وإقامة نظام ديمقراطي قائم على مبادئ سيادة القانون وفصل السلطات واحترام الحقوق والحريات الأساسية لجميع مكونات المجتمع السوري.

إن مشاركة فاعلة من قبل المجتمع الدولي والأمم المتحدة وسائر المنظمات الدولية هي شرط أساس لإنجاح العملية السياسية في سورية. وينبغي على أي تسوية سياسية أن تتم بعيدًا من الانتقام، بحيث تفضي إلى تحقيق العدالة الانتقالية المتمثلة بإنصاف الضحايا ومساءلة المجرمين، والبحث عن الحقيقة، وجبر الضرر، وإعادة الإعمار والإصلاحات المؤسسية. ومما يستدعي القول أن تحقيق هذه الأمور يجب أن يتم على نحو تدريجي، خصوصًا أن محاكمة المجرمين وإعادة الإعمار والإصلاحات المؤسسية وغيرها ستأخذ وقتًا طويلًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق