هموم ثقافية

جثة في قِدْر سقراط

سقراط: ألا يكون الحكماء بالحكمة حكماءَ، والخيـرون بالخيـر أخيارًا؟

هيبياس: طبعًا.

سقراط: أليس كل من الحكمة والخيـر حقيقة؟

هيبياس: نعم كل منهما حقيقة.

سقراط: أليس كل ما هو جميل بالجمال يكون جميلًا؟

هيبياس: نعم، بالجمال يكون كذلك.

سقراط: أيمثل هذا الجميل/ الجمال حقيقة بدوره؟

) أفلاطون، محاورة هيبياس الأكبـر (

بعد هذه التوطئة الممزوجة بالسخرية، سيشرع سقراط في البحث عن تعريف للجمال، وقد تم طرح السؤال في هيئة معضلة جعلت الإجابة عنه أمرًا عسيـرًا. ولما لم ينجح هيبياس في تقديم تحديد واضح للجمال، بما هو جمال، مختـزلًا إياه في امرأةٍ فتية حسناء، أو في ذهب وغيـره؛ لجأ سقراط إلى محاور افتراضي يمرر من خلاله ردوده التهكمية ونقدَه الضارب للسفسطائي الذي أفصـح عن تناقضاته بنفسه، ووقعَ في دائرة لا متناهية من النسبوية الهيـروقليطية.

ومهما يكن للجمال من تعريف، يمكن أن نرجحَ من موقعنا التاريخي هذا، أن الأمر كان ليكون أبسط على السفسطائي، لو تم طرح السؤال على هذه الشاكلة: ما القبيح، وما الذي يجعل من القبيح قبيحًا؟

بعد أن وقع العالم في حلكة الحروب وعدمية الأحداث، وجدَ الفن مسلكًا آخر يعبـر من خلاله عن موقفه المفترض من الواقع، ذلك أن الرمز الشعري والموسيقى، إضافة إلى تعبيـرات النحت والرسم وغيرها، لم تعد تحتمل تلك الكذبة الكبيـرة المغلفة بمرآة الجمال، فولدَت أعمال تحتفي بالقبح، وتولد من رحم الدمار صرخة تجاوزت محدوديتها في الزمان وفي المكان، لتصور لنا خيبة الإنسان وقد طحنَ وتفتتَ مع صـخرة سيزيف الهاوية لا محال. “ما الجميل؟” أصبحَ سؤالًا ساخرًا في خضم الجيف المتعفنة تحتَ الأنقاض. لم يعد مشرعًا لإنسان القرن الواحد والعشرين أن يتهم النصوص المؤَثثة بالبذاءة، أو أن يشعر بالقرف إزاء لوحة مشكلة بالدماء وبالفضلات البشرية. لأننا جميعنا، أضـحينا بقايا متسـخة لأسلحة الدمار الشامل، مذ أعلنَ الشر البشري اتحاده مع رموز النسف بدلَ رموز الخلق. ولما يزل العالم في محاولة طفولية لفهم هوية ما يسمى بجمالية القبح، حتى صعق هذه الأيام بحادثة/ مفهوم أرجح توصيفه بقبح جمالي.

إن التشكيلات الفنية قد اصطفَت، من خلال أصحابها، الانتماء إلى عبثية الموجود، فأنجبت حذاء فان غوغ البشعَ الرائع، وأذنه المبتورة، كما أنجبت غارنيكا بيكاسو وجثث بودليـر المتناثرة على قارعة قصائده. لقد اختار الفن، عن وعي مسبق، أن يصير ركنًا من أركان المجزرة، ولعل هذا ما فرضَ على الشاعر/ الرسام/ النحات/ المخرج، أن يتخارجَ عن ذاته التائهة في الجمال، حتى يتحول بدوره إلى مسـخٍ يمر بفصول استحالاته، حسبَ ما تقدمه البشاعة من مشاهد. كل هذا قد وقع وفق قصدية قابلة للاستيعاب، إذا ما أعلن الفنان عن ماهية أعماله. أعمالٌ لم تعد قادرة على الاكتفاء بفكرة الجمال الذي يجعل من الجميل جميلًا، فانضمت بإرادتها إلى فعل الجميل الذي يكون بقبحه مقاومةً.

إن مصطلحَ “جمالية القبح” قد تمكن من قلب “معادلة التطهيـر” (Catharsis) لصاحبها أرسطو، فأضحى المنتوج الإبداعي هوة تورط المتقبل في واقعه المريض، بغرض تحييده عن الحياد، فينتقل بذلك من موضع القبول إلى موقع الرفض، أو بعبارة أخرى، من موضع الملاحظ السلبي، إلى موضع الفاعل الإيجابي. وعليه نفهم حالة اليأس التي تجتاحنا، كلما غادرْنا ما وراء الكاميرا في أفلام كتلك التي يخرجها بيـرغمان Bergman، حيث يعمل في كل مشهدٍ على تعرية ندوبنا البشرية.

لم يعد الفن، منذ أن انغمسَ العالم في دوامة الهزائم والانحطاط القيمي، يعمل على تربية “مواطنين صالحين” أنقياء النفس وسليمي الروح، بل أضحى انعكاسًا لقرفنا اليومي وسكينًا يمزق ما بقي صالحا فينا للتمزيق. هذا ما صار عليه الفن إلى حدود يوم 19 كانون الثاني/ ديسمبر 2016، قبل أن يقتحم القبح بكل وحشية فلكَ الجميل الذي طالما احتفظ بحريته في الانتماء إلى العوالم التي يريد.

لم يعد من الممكن لنا أمام مشهدٍ كهذا الحديثُ عن جمالية القبح، لأن المصور الفوتوغرافي الذي قضى وقتًا في التعامل مع عدسته، وفي التواصل مع المكان والزمان، لم يكن ليفكر أنه من الممكن أن يلتقطَ صورة قاتله، القاتل المأجور الذي انتهكَ ألوانه فمزجَ أعماله بالدماء عنوة، وبإصبع موجهٍ نحو الله. إن المسألة لم تعد مرتبطة بفضح الفن للواقع عن قصد، بل بذبح الواقع للفن، وفق بساطة للشر غيـر معهودة من ذي قبل.

لا أعتقد أن حربًا عالمية ثالثة هي ما يهم ذلك الفوتوغرافي الآن. لا يخصه في شيء إن كان ذلك الاغتيال فاتحة لمجزرة جديدة، لأن المجازر لم تتوقف يومًا عن الوقوع. لا أعتقد -أيضًا- أن الأزمة الديبلوماسية تعنيه، ولا نهاية العالم. كل ما في الأمر أن أركان نزيفه الذي دام أشهرًا، قد صارت هامشًا لحدث عالمي هويته الموت.

هذا العالم الذي أجهضنا ما إن أنجبنا، قد جعل من معرض فني ساحة جريمة، فكيف لنا أن نقول بعد اليوم إن الأثر L’œuvre هو مخرجنا الوحيد؟

لقد اقتحم القبح جميع الأوطان، وها قد مرّ الآن إلى ملاجئنا التي أصبحَت بدورها منافي. لم تكف المدن والجبال والصـحاري هواة الدماء، فقرروا عنوة انتهاك الرمز البشري الذي عرف تحولاته الكبـرى من الفكرة (المَثَل) إلى التطهير إلى المقاومة، ليصبحَ في حد ذاته جسدًا/ موضوعًا ينخره الرصاص.

لقد عرف الإنسان أزمته الأولى، منذ انتقل من ذات باحثة في العالم، ترى التفاصيل من خلال جسدها الخاص، إلى موضوع للبحث وللتشريح (بلغة مارلوبونتي)، الشيء الذي دفعه إلى خلق وسائط رمزية تثبت وجوده من جهة، وتدعم علاقته مع الآخر؛ العالم، الطبيعة، والأشياء من جهة أخرى. فما مآل هذا الإنسان اليوم، وقد انقلبت البشاعة على رموزه واجتاحتها؟

إن جثة القتيل في ذلكَ المعرض ليست سوى محاولة لشرعنة تجول المذابح في كبد الرمز. والآن وقد مسخَ الجمال فعلًا، وابتعد عن كل مفاهيمه المثالية ليصبحَ مجردَ محملٍ لموت عالمي، يمكن لنا أن نأخذ مزحة سقراط على محمل الجد، حيـن قال لهيبياس ساخرًا من تعريفاته للـجمال: إننا يمكن أن نعتبـرَ قِدرَ الطعام إذن شيئًا جميلًا، وبالجمال يكون كذلك.

ولا يهم حقيقةً أن تشن حربٌ أخرى من بياض ذلك المعرض، فكلنا لحمٌ معجون في قدر سقراط، وهذا ذاته يكفي لينتهي كل شيء.

 

*المنحوتة للنحات جونسون تسانغ Johnson Tsang

مقالات ذات صلة

إغلاق