تحقيقات وتقارير سياسية

ماكرون والسياسات المتناقضة

منذ أن تولى إيمانويل ماكرون سدة السلطة في بلاد الحريات فرنسا، وهو يرسل رسائل متناقضة، بخصوص ما يدور في الشرق من حروب وإشكالات سياسية واقتصادية، وتصاعدت هذه الرسائل عددًا ونوعًا، قبل الضربة الثلاثية التي نفذتها (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا)، بـ “زعم” معاقبة النظام السوري لخرقه اتفاقية حظر الأسلحة الكيمياوية.

ماكرون الذي صرّح خلال حملته الانتخابية بأن فرنسا ستتدخل ولو وحيدةً، في حال استخدم النظام السلاح الكيمياوي، هو ذاته ماكرون الذي تم تكليفه من الدول الثلاث بقيادة الضربة العسكرية، والذي قام قبلها بأيام بإخبار الكرملين عن مجموعة الأهداف، لأجل إخلائها؛ فكانت الضربة على شكل مسرحية هزلية سمجة، لا تؤدب الطغمة الحاكمة في دمشق، ولا تُنصف ضحايا غاز السارين.

لكن ما الذي حصل بين تصريح ماكرون خلال حملته الانتخابية، وبين تكليفه بقيادة الضربة العسكرية؟ ما حصل هو أنّ فرنسا حصلت على عقود تجارية مع إيران، تجاوزت قيمتها اثني عشر مليار دولار، منها خمسة مليارات في صفقة (باريس غاز)، وعقد مع شركة (أيرباص)، ووعود بعقود أخرى لا تقلّ أهمية عن تلك التي دخلت حيّز التنفيذ.

خلال الأيام القليلة التي سبقت تنفيذ الضربة العسكرية، كان الرئيس الفرنسي ماكرون يستغل كل لقاء صحفي أو فرصة مع وسائل الإعلام، من أجل إرسال رسالة، يُطمئن فيها إيران بأن الضربة لن تطال أهدافًا إيرانية في سورية، ولن يكون الهدف منها إسقاط النظام، حتى بدا وكأنه يستأذن إيران في تنفيذ الضربة العسكرية.

قبل أيام، شدّ الرئيس الفرنسي الرحالَ إلى واشنطن، والتقى الرئيسَ الأميركي دونالد ترامب، وفي جعبته موضوع رئيس واحد وهو الملف النووي الإيراني، محاولًا ثني الرئيس الأميركي عن نيته الانسحاب من الاتفاق النووي سيئ الصيت، وقبل عودته من واشنطن، بدا وكأنه اقتنع بوجهة نظر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولكن بعد أيام من وصوله إلى باريس؛ عاد ليُصرّح بأن الانسحاب الأميركي المتوقع من الاتفاق سيؤدي إلى حرب واسعة في المنطقة.

على جانب آخر، وفيما يتعلق بالشأن السوري شديد الارتباط بالوضع الإيراني، قالت السفيرة الفرنسية لدى روسيا، سيلفي بيرمان، في مقابلة مع صحيفة (كوميرسانت)، ردًا على سؤال حول مصير الرئيس السوري: “إننا لن نتخذ قرارًا بشأن هذه القضية بدل الشعب السوري، لكن الحديث لم يعد يدور عن المطالبة برحيل بشار الأسد دون أي شروط”.

في محصلة قراءة سريعة لمجمل المواقف والتصريحات الفرنسية؛ يمكننا تلخيص ما سبق، بأنّ فرنسا بقيادة ماكرون تريد استمرار كل شيء على حاله في سورية وإيران، ولكنها في الوقت ذاته لا تريد إغضاب الجانب الأميركي، فهي تريد الإبقاء على الاتفاق النووي، واستمرار الحال في سورية على ما هو عليه، مبررةً ذلك بأنها تدعم الحل السوري – السوري الذي تعترف السفيرة الفرنسية في موسكو باستحالته، وتهرّب النظام منه.

يبقى لمتابع قضايا الشرق الأوسط الانتظار أسبوعًا آخر، لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور، بعد أن يتخذ الرئيس الأميركي قراره تجاه الملف النووي الإيراني، وإن بدت المؤشرات تشير إلى أن لا شيء سيحصل، وأن ترامب سيحافظ على تهديداته اللفظية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق