أدب وفنون

سورية- الدولة المتوحشة

صاحب الكتاب هو ميشيل سورا*، وهو مناضل حقيقي، يحمل الجنسيتين التونسية والفرنسية. غادر فرنسا إلى بيروت، عام 1971، التي كانت -وما زالت- عاصمةَ الثقافة العربية، وموقعًا للحرية التي كانت تفتقر إليها كافة العواصم العربية، وموقعًا للتجاذبات والصراعات العربية والدولية، وخاصة بعد التدخل السوري في لبنان 1976، وموطئ قدمِ المقاومة الفلسطينية التي تم ترحيلها من لبنان، عام 1982، بعد الغزو الإسرائيلي على لبنان عام 1980.

يضم الكتاب مجموعة من المقالات والأبحاث التي تخص سورية، كتبها الكاتب خلال إقامته في لبنان، ووصف فيها النظامَ السوري بالدولة المتوحشة. ظلّ الكاتب يكتب مقالاته تلك تباعًا، إلى أن فارق الحياة في بيروت، بعد أن تمّ إعدامه على يد منظمة “الجهاد الإسلامي” في لبنان، وهو الاسم المستعار لـ “حزب الله”، بعد اعتقاله في أيار 1985، على إثر كتابته آخر مقالاته بعنوان (الدولة المتوحشة)، وبسبب موقفه الوطني ضد النظام السوري، ومع الحركة الوطنية اللبنانية، والمقاومة الفلسطينية، وضد الغزو الإسرائيلي. وكان الكاتب قد أكمل دراساته العليا في لبنان، وحصل على مقعد أستاذ التاريخ المعاصر في كلية الآداب في لبنان، وكان يقوم تطوعًا بتدريس الفرنسية في المخيمات الفلسطينية، إضافة إلى كونه السكرتير العلمي، في مركز الدراسات والأبحاث حول الشرق الأوسط المعاصر، في بيروت منذ 1983.

في بحثه الأول، حول الدولة المتوحشة للنظام السوري، بين عامي 1979-1982، وهي سنوات الحرب بين النظام والإخوان المسلمين، تطرّق الكاتب إلى عملية قتلِ النظام عشرات الآلاف من الشعب وبخاصة في مدينة حماة. واعتمد في تصنيفه للنظام على “المبدأ الخلدوني” القائم على العصبية، والدعوة، والملك. حيث عمل النظام منذ بداية تأسيسه عام 1963، ومن بعده عام 1970، على مبدأ تشكيل العصبية، أو بتعبير دوركهايم التكافل الآلي، وهي مجموعات مؤلفة من القرابة والقبيلة العلوية، وهي المرجل خارج الدولة مثل، سرايا الدفاع، والصراع، وجمعية المرتضى. إلخ، والذي يقطر منه العنف الضروري، لفرض الهيبة والشوكة، الذي يشكل القبض على الدولة والمجتمع جائزتها الأولى.

وكان الجيش مكانًا لتوظيف العصبية المسيطرة، وأصبح جيشًا عقائديًا مهمته حماية النظام، كما تم ترسيخه في الدستور، وكان مخترقًا بالانشقاق الطائفي، لدرجة أن الجيش في سورية تحوّل إلى “جيشين أحدهما سجين الآخر”، بعد أن تم تصفية كافة التنظيمات غير العلوية الموجودة فيه، منذ الانقلاب البعثي عام 1963. وكان العسكري العلوي أقوى وأكثر نفوذًا من العسكري السني، وإن كان أدنى منه مرتبة.

وكانت الدعاية للعصبية تتم عن طريق حزب البعث كواجهة مدنية للنظام الحاكم، الذي نشأ في الأرياف أولًا، ولم يكن له وجود يُذكر في المدن الكبرى مثل حلب ودمشق، وقد عبّر عن الدعاية القومية والاشتراكية التي لم تجد لها طريقًا إلى التطبيق العملي، لأن المرحلة القومية انتهت مع وفاة جمال عبد الناصر 1970، وقد عمل النظام على الحرب ضد الدول العربية الأخرى، وتحطيم المقاومة الفلسطينية أثناء تدخله في لبنان، وقتال الحركة الوطنية اللبنانية، متحالفًا مع الخميني الإيراني، وتأسيس لـ “حزب الله” الذي قضم الحركة الوطنية اللبنانية التي كانت تعمل في الجنوب اللبناني ضد “إسرائيل”.

الاشتراكية الموعودة لم يكن لها وجود، بتأسيسه رأسمالية الدولة، ومن بعدها الليبرالية الجديدة وسيطرة زمرته على مفاصل الاقتصاد، والذي قسم المجتمع إلى أغلبية فقيرة، وأقلية سلطوية تسيطر على الاقتصاد كمادة للنهب الدائم.

وبالعصبية، والدعاية المرافقة لها، لم يؤسس حافظ الأسد لنظام حكم للدولة، ومن هنا تأتي صعوبة اقتلاعه من قبل معارضيه؛ لأنه يحشد خلفه طائفة كاملة، والطوائف الصغيرة، وإنما عمل على السيطرة على الدولة وتحويلها إلى الملك الشخصي له، بفعل “الشوكة” أو القوة، وقام فيما بعد بتوريثها إلى ولده الذي فتك بالشعب السوري وقتل مئات الآلاف، بعد انطلاق ثورة الحرية والكرامة في آذار 2011.

كان تشكيل العصبية نفيًا للدولة، وكانت مدمرة للمجتمع، المجتمع السياسي خصوصًا، وتم تشكيلها خارج الدولة للسيطرة عليها، من أجل توفير العنف خارج الدولة على المجتمع.

يتساءل ميشيل عن سر الحرب الدائرة في سورية: أهي حرب طائفية، أم حرب طبقات، أم صراع أقلية وأكثرية.. إلخ. ويرفض المقولة التي تتحدث عن صراع طائفة ضد أخرى، أو صراع السنة والعلويين، كما يطرحها الإخوان المسلمون، وأحقية الأكثرية السنّية (70 بالمئة من السنة) بالحكم ضد العلويين الذين لم يتجاوزوا (10 بالمئة) من السكان.

يرى ميشيل أن المستويين السياسي والطائفي ليسا متطابقين على الإطلاق في سورية. فالكثير من الأحزاب السياسية مثل 23 شباط، وأحزاب التجمع، ورابطة العمل، تضم أفرادًا عديدين من العلويين، تم زجهم في السجن جميعهم، لموقفهم المعارض للحركة التصحيحية. وكان هدف الأسد من إعلان جمعية (علي المرتضى) لتشكل الطائفة السياسية، وليس مجرد طائفة دينية مثل الموارنة في لبنان. لكن خلافها مع الحزب الحاكم في انتخابات 1981، جعلها تخفف من نشاطها، وكانت لها اليد الطولى كاحتياط للنظام الحاكم في مواجهة حربه مع الحركة الإسلامية.

يؤرخ ميشيل للأحداث وبداياتها مع موجة الاغتيالات التي نفذتها حركة الإخوان ضد معارضيها من البعثيين والشيوعيين، ثم مجزرة مدفعية الميدان في حلب حزيران 1979، والتي راح ضحيتها 83 طالب ضابط علوي. ولتجاوز الانفلات الأمني؛ شكّل النظام دعوتين:

الأولى للمصالحة وإمكانية توسيع الجبهة التقدمية، بقيادة محمود الأيوبي، وقد فشلت في التحضير لأي مصالحة بعد رفض الإخوان لها. والثانية تعتمد على “العنف الثوري”، كما حققه رفعت الأسد، الذي كان يُوصف باليساري البعثي، بدخول الجيش، مع بعض الكتائب المسلحة من الطلاب والعمال البعثيين، إلى مدينة جسر الشغور في 8 آذار 1980، وقتلوا مئات القتلى، ثم حلّ النقابات المهنية في 9 نيسان، وإعادة صياغتها كي تكون موالية له، ثم المجازر في سجن تدمر وإعدام الآلاف 1181 من السجناء، ردًا على محاولة اغتيال الرئيس، ثم الدخول إلى مدينة حلب وحماة، وتمّ القتل بالجملة لكل شاب يمكن مصادفته، وبخاصة في حماة بعد شباط 1982، وإعلان الإخوان سيطرتهم على المدينة، بحيث استطاع النظام السيطرة على المدينة، بعد قتله عشرات الآلاف، ولم يتركوا رجلًا واحدًا في مجازر حماة في نيسان 1982.

تيار رفعت الأسد كان يدعو إلى الحسم العسكري، وفق مبدأ “الزعيم يعيّن والحزب يوافق والشعب يصفق، ومن ليس معنا، إلى الموت أو السجن”. وكان يصرح بأنه “مستعد للتضحية بمليون مواطن لإعادة النظام إلى البلد”.

أما “الإخوان المسلمون” الذين يعود تأسيسهم إلى ثلاثينيات القرن العشرين، بقيادة مصطفي السباعي، فقد تصرفوا بأحداث العنف في 1964 و1980، كردة فعل دفاعية وهجومية، لأهل السنة الذين يشكلون الأغلبية، بعد أن تمّ إبعادهم عن السلطة من قبل البعث. وكانوا خلال الأحداث لديهم تياران:

الأول، للعمل السياسي، ويرأسه عصام العطار، الذي كان يرفض العمل المسلح والأعمال الإرهابية الإخوانية. والثاني، للعمل المسلح، ومتواجد في الشمال السوري ويرأسه، مروان حديد وعدنان عقلة، وهما اللذان فجرا الأعمال المسلحة ضد النظام.

ويدعو الإخوان إلى حكومة إسلامية سنية شرعًا، وقد ثبتوا ذلك في دستور سورية 1973، الذي أشار إلى أن دين رئيس الجمهورية الإسلام، واعتمدوا مبدأ الشورى الذي اقتبسوه من رشيد رضا، مقابل حق الطاعة العمياء للخليفة، علمًا أن مبدأ الشورى لم يُطبّق -تاريخيًا ومؤسساتيًا- في تاريخ الإسلام. وحاربوا الطوائف الأخرى، باعتبارهم غير مسلمة مثل العلويين، والدروز والمسيحيين. حيث كان المسيحيون الأكثر تعصبًا لقيام دولة وطنية ديمقراطية، لكن مع سيطرة البعث هاجر عشرات الآلاف منهم، وكذلك اليهود السوريون الذين اعتبروا رهائن سياسية، لدى مختلف الأنظمة التي تعاقبت على الوطن منذ 1948.

وضم الحراك المدني الطبقة التجارية، بعد أن تضررت مصالحها وفق قرارات التأميم منذ 1963. ولم يكن التجار مجرد دعم مادي للحركة الأصولية عمومًا، بل كانوا امتدادًا لها، في المجتمع المدني التقليدي الذي كانت تريده أن يكون المعقل الأخير المقاوم لمحاولات “الدولة الحديثة” للنيل منه، الدولة التي تجسدها أقلية طائفية دخيلة على النظام المديني. وقد شكلت المجازر التي أحدثها النظام في حماة، والمدن الأخرى، نهرًا من العنف يشق البلد مثل الجرح المفتوح دائمًا.

يرى الكاتب أن حراك الثمانينيات ليس حراكًا طائفيًا، إنما هو حراك المدينة ضد الجيش البدوي الذي يعمل ضد الدولة، والعصابات العلوية التي بدأت تحكم الوطن، ورئيسه كأول رئيس فلاحي لسورية. وقد جرى ترييف المدن، دون أن يصبح أهل الريف مدنيين. وأن إلغاء الطائفية والبرامج الطائفية عند التحرر من الاستعمار الفرنسي، لم يؤد إلى الاندماج الوطني، بسبب تشرذم الطبقة السياسية التقليدية الحزب الوطني وحزب الشعب.. إلخ، من تحقيق الجمع بين الطوائف والقبائل، وحل المسألة الفلاحية، وتحييد الجيش عن السياسة. فجاء انقلاب 1963، وبعد 1970 ليرسخ نظامًا مستندًا إلى عصابات طائفية، ولم يكن النظام محايدًا اقتصاديًا، إنما بفعل التأميم، أصبح الرأسمالي الأول المسيطر على الناتج الصناعي والزراعي والتجارة، وأصبحت كافة القطاعات “البقرة الحلوب” لهذه البرجوازية البيروقراطية الجديدة.

يعدّ ميشيل النظامَ السوري إرهابيًا، وشموليًا، ومتوحشًا، ويُمارس الإرهاب ضده من قبل الحركات الإسلامية، التي قامت بمجموعة كبيرة من الاغتيالات، عند نهاية السبعينيات.. وأن العلاقة بين الدولة والمجتمع السوري محكومة بالوحشية والعنف الأعمى، أكثر مما هي محكومة بـ “الرعب” الذي وصفته أرندت في وصفها للنظام الشمولي.

وفي النهاية، انتصرت العصبية الخلدونية المؤسسة على رابطة الدم والقبيلة، والتي أسسها الطاغية الأب، بأن كرس كل سياسته لربط مصير الطائفة بمستقبله الشخصي، لتسحق كل من وقف في وجه النظام، وطال القتل والاعتقالات كل الأحزاب وكل المدن، حتى السجناء في سجن تدمر، وكأن المهم ألا يكون البديل من الشارع أي من المجتمع، بسبب الرعب القابع فوق رقاب الناس، وضعف الاندماج المجتمعي، حيث بقي عاجزًا ومحتارًا أمام وحشية النظام، وانعزال الفرد على الصعيد السياسي، لدرجة عدم توفر رأي عام، وجماهير غفيرة ضد النظام؛ حيث الإخوان المسلمون هم الذين يتصدرون الموقف، بمواقف سرية يدعون فيها إلى حكم الأغلبية السنية التي بقيت في الحكم منذ أربعة عشر قرنًا.

وكان رأي المعارضة الديمقراطية الممثلة بـ “التجمع الديمقراطي”، والتي ضمت حركة 23 شباط، والمكتب السياسي، والاتحاد الاشتراكي الذين أيدوا الحراك، لكن مع نبذ الإرهاب وطائفية النضال. لكن الحراك لم يكن ديمقراطيًا، حتى يتم دعمه، إنما كان صراعًا بين ممثلين للإرهاب والتطرف الطائفي المقيت الذي دمّر الوطن.

من الملفت للنظر أن نظرة ميشيل الثاقبة، لبنية النظام وفق المبدأ الخلدوني، قد توضحت أكثر مع انطلاقة الثورة السورية في آذار 2011، وبعد أن ترسخ الانقسام الطائفي في صفوف الشعب بين سنّي وعلوي ومسيحي ودرزي.. إلخ. لكنه لم يكن محقًا في استنتاجه عدم طائفية النظام وممارساته الطائفية وتحالفاته الطائفية، التي عمل بها خلال أحداث الثمانينيات، فكان “حزب الله” والميليشيات الإيرانية الشيعية السند الأول للنظام، خلال الثورة، في قتل الشعب السوري، وتدمير البنية التحتية، وتشريد نصف الشعب خارج الوطن.

وتبقى الديمقراطية وبناء دولة المواطنة التي تجمع كل المجتمع بطوائفه المتعددة، بديلًا عن الهمجية لإنقاذ سورية المهددة بالضياع والتفكك.

 

*سورا، ميشيل

سورية: الدولة المتوحشة، ترجمة: أمل ساره ومارك بيالو، تقديم: برهان غليون وجيل كيبل، نشر الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت- 2017، عدد الصفحات 367 صفحة.

مقالات ذات صلة

إغلاق