ترجمات

سورية: ليسي دوسيت تُحلل صراعًا وحشيًا يُساء فهمه

كانت مراسلة (بي بي سي) المخضرمة على الأرض في سورية منذ الأيام الأولى للأمل في الربيع العربي. إنها شهادة الخبيرة التي تعطي الكثير من القيمة لهذا الفيلم.

الأشياء التي رأيتها: ليسي دوسيت بين أنقاض حمص. صورة: ريتشارد كوكسن/ بي بي سي.

إنها الأزمة الإنسانية الأسوأ في هذا القرن. صراعٌ استمر مدة أطول من الحرب العالمية الثانية، واجتذب إليه 75 دولةً، وما زال الأمر مستمرًا. نصف مليون قتيل، وملايين المهجرين، وبلدٌ مدمّرٌ بالكامل. وبعد سبع سنوات، لا يوجد حلٌّ عسكري، ولا أملَ في الحصول على حلٍّ دبلوماسيّ، ومن دون نهايةٍ تلوح في الأفق. إن هذا الفيلم الوثائقي الهائل -والموجع بالضرورة- (الجزء الثاني يوم الجمعة)، الذي قدّمته المراسلة المخضرمة ليسي دوسيت، يبدأ بالعبارات المألوفة الآن، وبإحصاءاتٍ توهمنا بأننا نعرف هذه الحرب، ثم تروي القصة لما حدث بالفعل. الوقائع العارية كما هي معروفة.

ونحن بحاجة إلى أن نتذكر. إن الحقيقة المروعة للحرب الطويلة والمتشابكة في السياسة العالمية هي أن تصبح مرتبكًا وغير مبالٍ ومتبلد الأحاسيس، حيث يحاول اليأس محو الحاجة إلى المعرفة والاستمرار بالمعرفة. هكذا نبدأ بنسيان لماذا بدأت الحروب في المقام الأول.

دوسيت، التي ظلّت على الأرض في سورية منذ بداية الصراع، وتُذكّر بشجاعة ومثابرة المراسلين من المدرسة القديمة، تبدأ بالاحتجاجات السلمية في حمص في أيار/ مايو 2011. تقابل نورا الجيزاوي، وهي طالبةٌ شجّعها الربيع العربي مثل الآلاف من غيرها، الذين خاطروا بكل شيء لينزلوا إلى الشوارع ضد نظام الأسد. تتذكر نورا، “كان يومًا رائعًا”، واصفةً إياه بأنه المرة الأولى في حياتها التي كان لها فيه صوت. عندما اجتاحت الاحتجاجات البلاد، وردَّ الأسد بحملة قمعٍ وحشية، أصبحت نورا ابنة الثورة. اُختطفت واحتجزت في سجن صيدنايا الشهير. الصور التي التقطها مصورٌ حكومي في داخله تُظهر جثثًا لأمواتٍ، عليها أرقامهم وأسماؤهم. أي أدلةٍ دامغة أكثر مطلوبة على التعذيب الذي ترعاه الدولة؟

ومع ذلك. “نحن نعتقل الإرهابيين”، يقول فيصل مقداد، نائب وزير الخارجية السوري، عندما سألته دوسيت عن عشرات الأطباء والمعلمين والطلاب المعتقلين والمختفين. “نحن نعتقل المنتهكين المحتملين للقانون… نحن لا نحتجز المواطنين بشكلٍ عام”. مرارًا وتكرارًا، يتلاعب اللاعبون الرئيسون من جميع الجهات بالكلام أو يرفضون تحمّل مسؤولياتهم. الإحساس الغامر هو بالفرص الضائعة، والتقاعس الكلي. سؤالٌ واحد يطرحه الفيلم الوثائقي دقيق جدًا، تركني أكثر إرباكًا مما كنت عليه، عندما بدأت (وهو مجاملة، بالمناسبة): “كيف حدث أن تخلى العالم عن سورية؟”.

بالنسبة إلى روبرت فورد، سفير الولايات المتحدة في سورية إبّان إدارة أوباما، كانت مطالبة الرئيس الأسد في البداية بالتنحي خطأً خلق توقعاتٍ أو آمال: “كان يجب عليّ أن أعترض، عندما تمّ الاتصال بي في الليلة السابقة”. بالنسبة إلى الآخرين في الدائرة الداخلية، كان تردده في التدخل منطقيًا في وضعٍ جنوني. وكما يقول ديريك شوليت، كبير مستشاري السياسة الخارجية السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، بخصوص تسليح ميليشيات المتمردين: “كان الرئيس أوباما يسأل دائمًا: “كيف سيحلُّ ذلك المشكلة؟” وأضاف: “ثم نظر الجميع إلى الأسفل وقالوا: لن يحلّها”. وكان رد أوباما ثابتًا: “نحن لا نفعل هذا فقط حتى نشعر بالرضا”. وهو أمرٌ لا يمكنك تخيّل أن الرئيس الأميركي الحالي يقوله.

وبينما راهن المسؤولون في وزارة الخارجية على أن الأسد سوف يرحل، بحلول عيد الشكر 2012 (تشرين الثاني/ نوفمبر)، تتذكر مروة الصابوني، وهي مهندسةٌ معمارية بقيت في مدينة حمص المحاصرة مع أطفالها، ابنَها وهو يسدُّ أذنيه عند انطلاق قذائف الهاون. محمد جنيات، الذي انشق لينضم إلى الجيش السوري الحر، يشرح كيف لجأ المدنيون الجائعون المحاصرون في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون إلى أكل أوراق الشجر. أصبحت الأشجار “طُعمًا”، حيث تموضع القناصة بالقرب منهم. “مات العديد من الناس بهذه الطريقة”.

في لقطاتٍ مؤلمة للغاية من عام 2012، أفادت دوسيت عن عائلات ذُبحت في منازلها من قبل عصابات مسلحة، يدّعي القرويون أنهم من الطائفة العلوية، الموالية بشدة لنظام الأسد. وتقول دوسيت، بينما تخفض صوت كلماتها بسبب الرعب، وهي تتعثر خارجةً من المنزل: “امرأةٌ، متفحمةٌ تمامًا في سريرها”.

ولعل أكثر ما يضايق من بين كل الأمور، خاصة بعد أقلّ من شهر بعد دوما، هو موقف المصور أرتينو، بعد تصوير آثار الهجوم الكيمياوي في دمشق في آب/ أغسطس 2013. الذي يقول عن الأطفال الرضع والأطفال الذين صورهم على الأرض: “رأيتهم كأطفالٍ نائمين، عيونهم مغلقة، ويرتدون بيجاماتهم”. وعندما أدرك أنهم ليسوا نيامًا، سقطت الكاميرا من يده وأُغمي عليه، متسممين بغاز السارين الذي قتل 1000 شخص، والمنسوب إلى الأسد. في وقتٍ لاحق، استعار أرتينو وأصدقاؤه مولدًا كهربائيًا، وجمعوا مالًا معًا لشراء جهاز تلفزيوني حتى يتمكنوا من مشاهدة ردّة فعل الرئيس أوباما، والعالم. “صُعقنا، مستحيل”. يقول أرتينو: “هل قال فقط إنه لن يفعل أي شيء؟ لقد شعرنا باليأس. شعرنا أننا لوحدنا”.

اسم المقالة الأصلي Syria: The World’s War review: Lyse Doucet dissects a brutal and misunderstood conflict
الكاتب تشيترا راماسوامي، Chitra Ramaswamy
مكان النشر وتاريخه الغارديان، The guardian، 3/5
رابط المقال https://www.theguardian.com/tv-and-radio/2018/may/03/syria-worlds-war-review-lyse-doucet-dissects-misunderstood-conflict
عدد الكلمات 715
ترجمة أحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق