ترجمات

الاعتداء عليَّ في تل أبيب

باسكال بونيفاس

مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية، باريس ــ فرنسا

ما إن أُعلن عن دعوة معهد القدس الفرنسي لي لإلقاء سلسلة من المحاضرات، حتى أثار إعلان مجيئي احتجاجات عنيفة. كيف يجرؤون على دعوة معاد للسامية وكاره لإسرائيل إلى هذا البلد؟

 

حذرتني عدة مصادر. وكان قد أشير إلى حلّيْن: رفض السلطات السماح لي بالدخول، أو لجنة استقبال هجومية. ولما كنت مصممًا على عدم الخضوع للابتزاز، فقد ذهبت مستجيبًا للدعوة كما كان مقرّرًا. (1)

تمَّ القيام بالإجراءات الشكلية أمام الجمارك بصورة سريعة. لكنني بعد اجتيازها نودي عليَّ من قبل عدة أفراد أكثر من حقودين. أدركت بقدر من السرعة أن النقاش كان عبثيًا بصورة مطلقة، في مواجهة عدم قدرتهم على قبول أي حوار. ومع الشجاعة التي يمنحهم إياها كونهم أكثر مني شبابًا بمرتين وأكثر عددًا بستة مرات، فقد وجهوا إليّ أفظع الشتائم وأكثرها فحشًا، (اختلط فيها رهاب المثلية الجنسية ورهاب الإسلام) (2). وبدؤوا وهم يعِدونَ بتصفية حسابي وعيونهم تفيض كراهية، يعبّرون عن إرادتهم في جرّي بالقوة إلى خارج المطار.

بدأت بالتراجع في اتجاه الجمارك، وأنا أرى رجل أمن لا يُثني فريقَ مرافقتي غير اللطيف أبدًا. وبعد عدة دقائق، تدخل رجال الشرطة وقادوني إلى مكتب الجمارك. وبعد التحقيق، رافقوني من أجل إخراجي، ملاحقًا على كل حال من قبل ثلاثة شباب يصرخون منفعلين. غير أن أحدًا منهم لم يُستجوَب من قبل الشرطة.

توضح هذه القضية إلى أبعد حدٍّ ما كنت أستنكره في كتابي معادٍ للسامية (Antisémite) (3). فقد شيْطنني بعضهم، في حين أنني لم أدلِ بأي حديث ينطوي على معاداة للسامية، بسبب الاستيراد الفاسد لصراع الشرق الأوسط. وكان المعتدون عليّ يطوون قناعة حميمة بأنني معادٍ للسامية. هذا مع أنهم لم يقرؤوا لي شيئًا. لكنهم “سمعوا ما كان يُقال” فحسب.

كيف يستطيع بعض الأفراد أن يصلوا إلى هذه المستويات من العنف؟ إلى أن يكونوا مقتنعين أنني أستحق أن تفقأ عينيَّ؟ لأنهم بكل بساطة استثيروا بحملة الذم والافتراء التي أعاني منها منذ سبعة عشر عامًا.

وقد طفق أولئك الذين وضعوا الاعتداء عليّ على الشبكات العنكبوتية يهنئون أنفسهم على ذلك:

“عزم شباب يهود بقلب وضمير يهودي، حين لمحوه على أن يستقبلوه كما يجب. وجدير بهذه المناسبة التذكير بأن شخصيات يهودية تناصر مع ذلك حلَّ الدولتين، مثل فريديريك آنسل أو الصحفي فرديريك هازيزا، أو موقّعي بيان حلّ الدولتين مثل برنار هنري ليفي، لا تترك أي مجال للشك حول أن دوافع باسكال هي بكل بساطة معاداته للسامية”.

بعد أسبوع من الاعتداء علي، يعود باسكال بروخنر إلى أن يُحَمِّلني في إذاعة (فرانس آنتير) مسؤولية تصاعد نزعة معاداة السامية.

يعني نقدكَ الحكومة الإسرائيلية، في نظر كثيرين، أنكَ معادٍ للصهيونية، وبالتالي معادٍ للسامية. منذ سبعة عشر عامًا، يُوجّه إليّ هذا الاتهام الشرير في الوقت الذي كنت فيه أناضل باستمرار ضد كل شكل من أشكال العنصرية ومعاداة السامية. لكن الذين نشروا هذه الكراهية هم أنفسهم الذين يفضلون، منذ عام 2001، تقديس الحكومة الإسرائيلية حول النضال ضد معاداة السامية. لكن الانتقال إلى العنف، بسبب جنحة الرأي، عبارة عن انزلاق غير مقبول. أدين هذا الاعتداء من قبل قنصلية فرنسا بالقدس. لكن سفارة فرنسا في إسرائيل ووزارة الخارجية الفرنسية بقيتا صامتتين. في حين أشارت بعض وسائل الإعلام الفرنسية إلى هذه القضية منذ ذلك الحين.

من الممكن التفكير أنه لو كان مثقف فرنسي موضع اعتداء، من قبل بعض الأفراد المستائين من مواقفه حول الشرق الأوسط، في بلد من بلدان المغرب؛ لكانت ردّات الفعل أكثر حيوية. كذلك، لو هوجم مثقف إسرائيلي في مطار رواسي، لتمّ استدعاء المعتدين عليه للاستجواب، ولكانت سفارة إسرائيل قد طالبت الدولة الفرنسية بتحمل المسؤولية. لكن العكس ليس صحيحًا. فالذين اعتدوا عليَّ استطاعوا بهدوء العودة إلى بيوتهم، من دون أي عقاب. ولن يترددوا في أن يعيدوا الكرة ثانية.

بالنسبة إلي، لن أتنازل لا بخصوص حرية التعبير ولا بخصوص إرادتي في الحوار. ومعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية هو بكل تأكيد المؤسسة الجامعية الوحيدة التي جاء إليها للحديث هذه السنة أمام طلابنا، أليزا بن ــ نون، سفيرة إسرائيل في فرنسا، وليلى شهيد، مندوبة السلطة الفلسطينية في فرنسا سابقًا وسفيرة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي.

سأستمر في النضال ضد معاداة السامية والعنصرية المعادية للمسلمين، من دون تمييز بين أي نضال وآخر.

 

  • http://www.pascalboniface.com/2018/04/13/la-semaine-prochaine-a-jerusalem/
  • يجب على الذين يتحدثون عن معاداة المسلمين للسامية أيضًا أن يتساءلوا عن تصاعد العنصرية المعادية للعرب والحاضرة لدى أقلية من اليهود.
  • Max Milo, 2018

 

العنوان الأصلي للمادة  
الكاتب باسكال بونيفاسPascal Boniface  
المصدر ميديا بارت           Mediapart
الرابط  
المترجم بدر الدين عرودكي

مقالات ذات صلة

إغلاق