أدب وفنون

أبو القاسم الشابي طائر الحرية الأغر

لا أهدف من تناولي لشخصية أبي القاسم الشابي الأدبية المتميزة، إلى إعادة اكتشاف المكتشف ولا تأكيد المؤكّد والتذكير به، رغم أهمية ونبل هذه المهمة في حدّ ذاتها؛ بل أطمح في حدود ما تسمح به هذه المقالة المحدودة، إلى مراجعة ما قاله الأولون، بقصد الإضافة عليه قليلًا أو كثيرًا؛ إذ لا بدّ لقارئ نصوص تداولها الوسط الثقافي مرة بعد مرة، من أن يقع على فكرة، ضلت طريقها هنا أو إشارة تاه عنها دارسوها عفوًا أو قصدًا، لسبب أو لآخر، ويرى أنّ من واجبه، أن يثبّتها في مكانها أو أن يقوي فكرة رخوة، جرى التعاطي معها بقليل من الاهتمام، ولا بدّ من التأكيد عليها، وإعادة المفاهيم والأفكار إلى مكانها أو إعادة تبويبها. وليس في ظني ولا في توهمي أنني في مقالة سريعة محدودة، أستطيع أن أقدم الكثير مما يجب أن يقال، أو تسليط مزيد من الضوء عليها، آخذًا في الاعتبار أنّ الكمال ليس من طبيعة النصوص الأدبية الخالدة، لأنها نصوص مفتوحة على تجدّد القراءات والمزيد من البحث والتقصي. من هنا كانت التفاتتي في عصر الحرية المدماة إلى شاعر الحرية الأول في الشعر العربي، وذلك لما تمتع به من حضور ريادي مبكر، أغنى الوجدان العربي بشعره، معنى ومبنى، في حين كان الشعر العربي الرسمي قبله، ممثلًا بأمير الشعراء ومجايليه، من شعراء مدرسة الإحياء، ما زال يترنح ويتأنّق في قصور الملوك والأمراء منادمًا ومنقطعًا عن العامة وعن الهموم الوطنية والإنسانية الكبرى، ولا سيما قضايا التحرر والحرية، وهي حينذاك ثقافة حديثة وافدة، تلقّاها رسل الحرية وروادها، فاختطوا بها همًا وطنيًا وإنسانيًا، ظلّ يتعمّق حتى غدا نهجًا للعديد من شعراء المرحلة اللاحقة وكتّابها، ولكنه لم يلبث أن اختلطت فيه المفاهيم والثقافات، فانغمس في الأيديولوجيا في ما سمّي ببدعة الأدب الملتزم، متأثرًا بثورة أكتوبر وثقافتها، قبل أن يكتشف الشعراء أساليب حداثية، راحت تؤسس لوعي بفلسفة الحرية مرتبطًا بفلسفة الجمال وبالحساسية الفنية الجديدة.

من هنا، اكتسى بزوغ نجم الشاعر الريادي الشاب، أبي القاسم الشابي (1908- 1934)، تلك الأهمية الاستثنائية المبكرة، في عصر لم يكن متاحًا ولا مهيّأً لأي شاعرية عادية، أن تشق طريقها، إلا إذا توفرت لها خصائص شعرية حداثية مبتكرة وخاصة، وهذا ما توفّر لشاعرية أبي القاسم الشابي، الذي تغذّت بنزعة رومانسية ثورية وبثقافة الحرية، وتفاعلت مع مزاجه وحدّة شعوره بالأشياء، وقوة إيمانه بالحرية كقيمة جوهرية عليا، فانبرى منافحًا عنها داعيًا إليها، بكل ما أوتي من توقّد وحماس وطني. ولقد كان لعذوبة شعره وغنى وجدانه المفعم بالعاطفة الصادقة القصوى، وللإيقاعات المبتكرة وانسياب ألفاظه العامة بلا ابتذال، دورها في جعل أشعاره أقرب إلى الغناء والتنغيم الذاتي، لمتصوّف عشق الحرية وتماهى في إيقاعاتها، وقد تمثلت له بعشق علوي، يسري بالطبيعة وتتردد أصداؤها في الجداول وغناء العنادل وخفق النسيم العذب، وفي روحه التي تتعشّقها، كما يعشقها طائر الفجر، ذهبي الصوت، الذي أكسب الشعر طعومًا شعبية محببة، متنحّيًا عمّا لاكته الألسنة طويلًا، وهيمن عليه التقليد الشعري الرسمي، الأقرب إلى مزاج البلاط وعلية القوم.

ولكي نقيّم الدور الريادي المهم لهذا الشاعر التونسي، الذي لم يمهله القدر أكثر من خمسة وعشرين عامًا، ليكمل مشروعه المفتوح على الحرية وقضايا الثقافة الحداثية، بعد أن نهل من الثقافة العربية والأوروبية والأميركية بنهم، وراح يدعو إلى تجديد الثقافة وعلوم الدين والحياة، من دون اكتراث باحتجاجات الأوساط المحافظة من حوله. يكفي أن نشير إلى أنّ محاضرته الأولى، وعمره لم يتجاوز عشرين عامًا، كانت بعنوان (الخيال الشعري عند العرب)، في المكتبة الخلدونية عام 1929، قد توجته محاضرًا وباحثًا، يعيد تقييم التراث العربي في كلّ البلدان والأزمان، بروح وثقافة حداثيتين، تمثلّها في ديوانه الوحيد (أغاني الحياة) والكثير من القصائد الأخرى، ليحتلّ بجدارة موقع الصوت الشعري العربي الأول، الذي صاغ قضايا الحرية برؤية ليبرالية وروح مفعمة بالحماس وشدة الإيمان، وداعية إلى التضحية في سبيلها، ومن أجلها أقام حوارًا مع الآخر الوطني، قبل أن ينتقل إلى جزره وتأنيبه على استكانته:

خُلـقـتَ طـليـقًا كـطيـفِ الـنـسيم/ وحرًا كنور الضحى في علاه

تـغـرّدُ كـالـطيـر أيــن انـدفـعـت/ وتشدو بما شـاء وحـي الإلـه

كـذا صاغـك الله يا بـن الـوجود/ وألقتك في الكون هذي الحياة

فــما لــك تـرضـى بــذلِّ الــقـيود/ وتـحنـي لـمن كـبلوك الـجـباه

ألا انهض وسر في سبيل الحياة/ فمن نـام لم تـنـتظره الـحيـاة

إلى النـور، فالنـورُ عذبٌ جميـلٌ/ إلى النـور، فالنـورُ ظـلُّ الإله

ولا تفوتنا هنا الإشارة إلى فلسفة الوجود، وهي تندرج في ثنايا دعوته، فالحرية عنده من طبيعة خلق الإنسان، أمّا العبودية فمخالفة للطبيعة، التي خلقه الله عليها، والنهوض مع الحياة ولأجلها هو سرّها وثيمتها الأهم، كما تبدو استعارة النور للحرية، ذات علاقة مع فلسفة الأنوار الأوروبية التي هي إحدى مصادر ثقافته. وليس احتفاء المطربين والملحنين بأشعاره، واستعارة أبيات من قصيدته الشهيرة (نشيد الحرية) ليكون النشيد الوطني التونسي، إلا دليلًا على المكانة التي احتلها شاعر تونس، الذي أسس ببواكير شعره مملكة سحرية للحرية، وقد تربّى عليها جيل من الوطنيين التونسيين، وحاولوا ترجمتها إلى واقع.

ويكفي الشاعر أن بيته الشعري: إذا الشعب يومًا أراد الحياة/ فلا بدّ أن يستجيب القدر، قد حقق سيرورة لم ينلها أي بيت شعري آخر في مجاله، بل أنه يعدّ من أكثر أبيات الشعر العربي كله سيرورة إلى جانب حكم المتنبي الشهيرة.  

ولعلّ في خطابه لطغاة العالم صورة عن تلقائية شعرية تفرّغ انفعالاتها الغاضبة، وتتوعد المستعمر باسم الشعب بالويل والثبور:

ألا أيـها الغـاصـب المستـبـد/ حبــيـبُ الــفنـاء عــدو الــحـياة

سخرتَ بأناتِ شعبٍ ضعيف/ وكــفّــكَ مخـضـوبةٌ مـن دمـــاه

حذارِ فتحـت الرماد اللهـيبُ/ ومن يبذرِ الشوك يجنِ الجراح

سيجرُفك السيلُ سيلُ الدماء/ ويــأكــلــك العـاصـف المـشتـعل

مقالات ذات صلة

إغلاق