هموم ثقافية

وأخو الجهالة…

الفن، منذ الأزل، احتاج إلى الذكاء والخبرة والثقافة، فهو يتنطح لمشروع جليل ومهمة كبيرة جدًا، هي إعادة صياغة العالم، وإعادة إنتاج المعرفة والفكر والجمال، والدفاع عن الحق والحقيقة.. والكتابة واحدة من أعظم الفنون، لا تستقيم بمعزل عن الحذاقة والذاكرة الانفعالية والمراقبة والخيال والدقة والتحليل والتركيب.. (وهي كلها عمليات عقلية بامتياز). إنها اجتراح وفهم عميق للمشاعر والأحاسيس الإنسانية، ليس الفردية فقط؛ بل الجماعية بالضرورة. إنها المقدرة على تحليل تلك المشاعر المعقدة وفهمها؛ ثم التعبير عنها فنيًا.

ولذلك، ليس كل ما ينشر دليلًا على أهمية الكتاب أو ذكاء صاحبه! وليس كل ما يكتب ينتمي إلى هذا الفن العريق، سواء أكان شعرًا، نثرًا، فكرًا، فلسفة، أم أي صنف من صنوف الإبداع؛ ثم ما فائدة الكتب -مهما كانت ذكية وعميقة- إذا بقيت في الأدراج –مثلًا- أو منع نشرها! وما فائدة الكتب السطحية والتافهة، إذا نشرت، وهي لا تمتلك الحد الأدنى من متطلبات الكتابة والنشر!؟

لا أحد يعطي النصائح ويصدر الأحكام المبرمة، أو يقرر ماذا نكتب وكيف نكتب، وما هي الكتابة وكيف تكون؛ لكن الحياة علمتنا والتاريخ أنذرنا، بأن الغبي أو الدعي أو الخانع، لا يمكن أن يكون كاتبًا جيدًا، مهما حاول واستنزف من حبر أو استخدم من وسائل، ومزق من أوراق وبدل من عبارات. كما لا تستطيع السلطة -مهما حاولت- أو الجاه أو المال أو الانتماء -مهما كان- تلميعَ الكتّاب الانتهازيين أو تكريسهم.

يمكن أن يسود الابتذال وينحط الجمال، ويتصدر المشهدَ الثقافي والفني مثقفو الـ “نص كم”، فالسلطة السياسية تعشق هؤلاء، وقد تطول أعمارهم وتطاول ظلالهم وتكثر مؤلفاتهم وتتعاظم أموالهم وأهميتهم، في كنفها، لكن حياتهم –عمليًا- مرتبطة بحياة أسيادهم المشغلين لهم، وعهد السيد، لعَمري، قصير مهما طال.

لا أزعم أن الجهلة من المثقفين هم فقط أزلام الاستبداد والدكتاتورية، فبينهم الكثير من الأذكياء! ولكن، أليس الذكي فيهم أشد غباء من الغبي، عندما ينذر نفسه وقلمه وضميره، من أجل مصالح ضيقة ومكاسب زائلة؟ أليس من الأفضل لهم لو عملوا في تجارة المخدرات أو المقاولات العقارية!؟ أليس من العار التاريخي أن يكون الكاتب مأجورًا؟ ألا تعد مسؤولية الذكي أكبر بكثير من ذاك الذي يبيع نفسه لطاغية، ويتحول إلى بوق ضد الحقيقة والحياة!؟

قُتل ألكسندر غريبوييدف على يد الغوغاء في طهران سنة 1829، حيث كان يعمل سفيرًا للإمبراطورية الروسية، وهو صاحب المسرحية الأشهر (ذو العقل يشقى).

لقد منعت السلطات القيصرية نشر مسرحيته كاملة، ولم يُسمح بنشرها إلا بعد أكثر من نصف قرن! لأنه كان يسخر فيها من غباء الطبقة الأرستقراطية الحاكمة، لكن اسمه بقي حيًا؛ كواحد من مؤسسي المسرح الشعري في روسيا، وترجمت مسرحيته الوحيدة هذه، إلى لغات الأرض كلها، وما زالت تعرض في أغلب مسارح العالم حتى اليوم، بينما طوى النسيان القياصرة والأباطرة والرؤساء.

كما قُتل “مالئ الدنيا وشاغل الناس”، أبو الطيب المتنبي، سنة 965م، على يد فاتك بن أبي الجهل الأسدي، ليس بسبب قصيدة أو بيت شعر -كما قيل- بل بسبب دفاعه عن كرامته وشرف الشعر، وهو الذي قال، قبل غريبوييدف بتسعة قرون تقريبًا:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله/ وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

رحل المتنبي منذ أكثر من عشرة قرون، وما زال صوته يجلجل مخترقًا الزمان والمكان الذي قُتل فيه، بينما طوى النسيان آلاف الشعراء الذين عاصروه، وآلاف الملوك والأمراء الذين أتوا من بعده.

مقالات ذات صلة

إغلاق