أدب وفنون

“أين كُنا وإلى أين نحن ذاهبون…؟”

  • “أشعر بالرغبة في أن يصبح صراعنا مع العدو جزءًا من حياتنا بشكل دائم، وليس استعداد للحظة طارئة..” مصطفى الحلاج

 شهرته ليست قائمة على كونه فنانًا فلسطينيًا واعيًا قضيته فقط؛ بل لأنّ فنه كان جداريّات جمالية محفورة، تنتقل بُعمق المعنى والقضيّة من الواقع المُعاش إلى آفاق بُعد ميتافزيقي آخر. إذ تضُم في جنباتها ثنائيات التناقض التي تظهر في أعماله، ليس -فقط- بين اللونين الأبيض والأسود اللذين اعتمد عليهما بشكلٍ رئيس، بل هي ثنائيات التناقض بين الحي والميت والوجود والعدم أيضًا.

ولد الفنان التشكيلي والنحات مصطفى الحلاج عام 1938، في قرية سَلَمة في قضاء يافا، وانتقلت عائلته إلى مدينة اللّد في العام 1948. درس المرحلة الإعدادية في القاهرة، والثانوية في فاقوس– محافظة الشرقية بمصر، وحصل على الثانوية العامة سنة 1957. التحق بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة. وتخرّج من قسم النحت عام 1963، ثمّ التحق بقسم الدراسات العليا بمراسم الأُقصر. وقـد ساهم في معظم الفروع التشكيلية (النحت– سيراميك– خزف– حفر في الخشب– رسم بالزيت…).

لكنه أقام أولى معارضه الفنية في صالة متحف الفن الحديث؛ حيث اشترك مع مجموعة من الفنانين التشكيليين الفلسطينيين في معرض عام 1959. ليقدم أول معرض فردي له في نقابة الصحافيين في القاهرة سنة 1964.

مارس فن الغرافيك مبكرًا، وكذلك الرسم والتصوير والطباعة الفنية وفن الملصق (البوستر) أوائل السبعينيات.

غادر الحلاج مصر، بعد أن أقام فيها خمسة وعشرين عامًا، لهذا تأثر بالحضارة المصرية التي اعتبرها مرادفةً للحضارة الكنعانية. لكنه عاش متنقلًا بين دمشق وتونس وبيروت التي خرج منها هي الأُخرى، في إثر الاجتياح الصهيوني لجنوب لبنان 6 حزيران/ يونيو 1982، ليستقر بعد ذلك في دمشق، ويعمل مديرًا لصالة ناجي العلي للفنون التشكيلية. اهتمّ بقراءة الجذور الكنعانية والمصرية في رسوماته الغرافيكية، وابتكر خطوطه ومنحوتاته وجدارياته الخاصّة، وكان أطولها جدارية (ارتجالات الحياة).

ينتمي الحلاج إلى جيل التغريبة الفلسطينية.. جيل حق العودة مِن قهر الشتات.. هو الذي تنقل في الشتات وعاش في مدن عربية مختلفة، حاملًا أمل تحقيق حلم الخلاص؛ الجيل الذي نبتَ رمحه مِن رحم المأساة، حتى صار أحد أشهر من اشتغل فن الحفر في الوطن العربي. أعماله تستند إلى حد كبير جدًا إلى عامل الرمزية، التي شكّلها وجدانه قبل أن يحولها إلى دلالات على سردية الفلسطيني بخاصة، والنفس البشرية بعامة. في الوقت الذي اعتبرت ذات مناخات سياسية، لأنه ارتبط ارتباطًا وثيقًا بحركة النضال الفلسطيني، بوصفها نوعًا من المقاومة الثقافية المستندة إلى قدر هائل من المشاعر الرومانسية المتجاوزة للواقع المادي القائم. لذلك، فإن هذا الفهم الاستثنائي أظهر بدوره أساليبه الاستثنائية في الحفريات التي أتت، بعمق وسعة ذاته، التي تعج بمعانٍ لامتناهية.

تعد أعمال الحلاج في عالم الحفر معاجم بصرية ضخمة، تدور في أفق رموز غير مألوفة، كما تعتبر سريالية إلى حدّ ما، فالسريالية مزجت الواقع والخيال بالدمج بينهما، واعتمدت على اللاوعي والأشكال غير المنطقية. لكن منحوتاته -على رمزيتها- تظهر واعية وعاقلة بكل رموزها التي يستطيع الرائي فهمها وتفسيرها. فهو الفنان الذي طاف بعدة حضارات، بحكم تنقله بين فلسطين والقاهرة ودمشق وبيروت؛ فحمل في ذاته رواسب الفرعونية والكنعانية والفينيقية. ذلك الثراء الحضاري ساهم في خلق فضاء تشكيلي شديد الخصوصية. يحشد من البشر والرموز والدلالات الكثير، حتى تصير اللوحة معجمًا بصريًّا خارقًا. وتصبح كذلك فضاءً فلسفيًّا وسياسيًّا، فندرك ببصيرة الحلاج ماهية أنفسنا، في إطار الصراع القائم من الأزل للأبد. وعي الحلاج بقضيته كلاجئ فلسطيني كان وعيًا متعدد الأبعاد، مكنه من الربط بين التساؤلات الوجودية التي يمر بها الإنسان بشكل عام، وتجربته الشخصية في المَهجر. فهو يُبصر رحلة الإنسان ذهابًا وإيابًا، بين الحياة والموت، ويصوّر تلك الرحلة في طرح فني فلسفي: “أين كُنا وإلى أين نحن ذاهبون…؟!” “الرسم أو الفن التشكيلي هو أداة عالمية تخترق جميع الحواجز ما بين الأمم، فاخترت هذه الطريق لكي تكون مجسًا شعبيًا في التعبير عن نفسي، وبدأت أشحذ هذه الأداة، أروضها، أطورها خلال عشر سنوات لكي يصل الخاص بالعام. إنني حين أعبر عن نفسي.. مشاكلي الخاصة.. انفعالاتي الخاصة، أكون قد عبرت عن شعبي وعن كل من هم في موقعي. وبذلك مددت أغصاني في بحر مشاعر شعبنا، على المستوى الأفقي الرأسي من خلال الفلكلور بشتى فروعه، والتاريخ والميثولوجيا، وبكل شيء حتى كدت أن أتنفس جميع تلك الأشياء. وحقيقةً، لاحظت أن كل من يعيش المنفى يستيقظ التراث بداخله حيًا متدفقًا، يضرب جذوره ويمتد في المستقبل عن طريق الأجيال”.

لم يَمُتْ هذا الذي اسمه مصطفى الحلاج، والذي أطلقتْ عليه فلسطين اسم “شيخ التشكيليين الفلسطينيين“. لم يَمُتْ، لكنه احترق كشمعة خُلِقَت من أجل أن تقاتل الظلام. احترق، لأنه “من الشرارة يندلع اللهيب”.. احترق ليتمِّم مأساة الحلاج الصوفية؛ ذاك الذي دَهَنَ وجهه وصدره ويديه بما نزف من دمه على الصليب، ليكتمل طقسُ رحيله المشبع بالعشق والتصوف: “ركعتان في العشق لا يصحُّ وضوؤهما إلا بالدم”! يجبرنا التشابه الاسمي بين الحلاج الفلسطيني والحلاج الصوفي العراقي، على التفكر في احتمالية وجود تشابه أكبر يجمعهما.

نعم، وللأسف فقد كان موتهما هو الموت المأساوي عينه الذي لاقاه كلاهما. فالحلاج الصوفي العراقي صُلب لتأكل منه الطير بعد اتهامه بالكفر والفسوق. ليرحل متوحدًا مع ملكوت أفكاره؛ فيما يقضي التشكيلي الفلسطيني نحبه مُحترقًا مع أعماله إثر حريق شب في مرسمه، مرسم ناجي العلي، بدمشق، وأتى على الرسام ومعظم أعماله. لينتهي قبل أن يُنهي (ارتجاليات الحياة)، أجل، احترق مصطفى الحلاج كقِطَعِ “جداريَّاته” التي أنجزها، حرقًا وحفرًا، على ألواح “المازونيت” الرخيص، ليرتفع بذلك قدرًا وقدرة، وليسمو بذاته وبقضيَّته وبعطائه إلى مصافِّ الخالدين.

احترق الحلاج في دمشق “قاعة الانتظار”، حيث احتضن زاويةً من أزقَّتها الفقيرة بقبو سُمِيَّ “مرسم ناجي العلي”، بعد اغتياله، كي لا تندثر وراء ستائر النسيان كلُّ خيوط جريمة الاغتيال. أقام فيه الحلاج، كالشاهد الذي يواجه الطغاة في عدمية الاستمرار والبقاء. كان فيه –كونه قاعة انتظار– يستقلُّ منه قطار عودة المسافر في اتجاه واحد نحو فلسطين. إلا أن سكَّة “جداريَّته” استوقفتْه لحظة نشوتها، لتأخذه معها في اتجاه واحد إلى النهاية.

رحل ذلك الضالع بالتأمل والتوغل في متاهات التكوين، لينسج فوقها حالات من صراع البقاء، ما بين الليل والنهار، ما بين خطوط الضوء والمساحات السوداء، حتى إن رحيله لم يأتِ هادئًا، ناصعًا في صمته المسكون بالتناقض، بل حمل ملحمة أخرى على راحتَي الصراع المنطلق بحثًا عن الحقيقة، ليحقق حلم العطاء والعودة.

داخل مرسمه وبين لوحاته التي كان يدافع عنها؛ التهمت النيران جسد مصطفى الحلاج في عام 2002، بعد أن اشتعلت في مرسمه بسبب ماس كهربائي ناجم عن حريق هائل، ساعدت في اشتعاله أسطوانات الغاز، والأوراق، والخشب، وغيرها من المواد التي كانت موجودة في مرسمه بصالة ناجي العلي في دمشق، لتنتهي مسيرة فنان كان بإمكانه أن ينقذ نفسه، لكنه فضل الدفاع عن لوحاته التي كانت شقاء عمرٍ بأكمله.

“سأستمر فيها، ما دمت حيًّا وقادرًا على العمل. أحيانًا تتعب يدي، فأتوقف، ثم أعود فأكمل العمل. هذه اللوحة ستتوقف فقط عند الموت”.

دفن الحلاج في مقبرة الشهداء داخل مخيم اليرموك بمدينة دمشق، عن عمر يناهز 64 عامًا. لكن إرثه ما زال حيًا، لأنه هو الذي قال يومًا: “نحن -الفنانين الفلسطينيين- أوركسترا.. نحن جوقة موسيقية واحدة؛ لدينا الكثير من الأصدقاء والكثيرون ماتوا، أجسادهم دُفنت في الأرض؛ لكننا نحملهم في داخلنا.. نحن مقبرة متحركة؛ تحمل في داخلها كل الأشخاص الذين غادرونا”.

كطائر الهدهد يحمل أمه الميتة مدفونة في رأسه؛ كما تقول الحكايات الشعبية.

مقالات ذات صلة

إغلاق