أدب وفنون

بحثًا عن هيغو

أن تنتقل مهجّرًا من بلدٍ، أغلب جسوره وساحاته وشوارعه وحدائقه وغاباته وتماثيله وبحيرة سده الكبير على الفرات، باسم ديكتاتور غير أبدي: حافظ الأسد! من بلدٍ تجتاحه صور العائلة الأسدية، بحلقاتٍ من نورٍ حول رؤوسها كالقديسين! إلى مدينةٍ تعج بأسماء القديسين وبكنائسهم وبأيقوناتهم، والأهم.. باسم كاتبٍ كبيرٍ مثل: فيكتور هيغو، حيث ولد فيها عام 1802، وترعرع في المنزل رقم 140 في الشارع الكبير، فتلك هي المفارقة!

ثمة في بيزانسون، إعدادية وثانوية كبرى باسمه، وأكثر من مقهى يستوحي اسمه، ثمة ساحة أيضًا، وشارعٌ وموقف باص باسمه؛ وتمثالان له، لا يشبهان تماثيل الأباطرة والملوك؛ وصالة عرضٍ تشكيلية (غاليري هيغو)، وفرقة موسيقية (أوركسترا فيكتور هيغو)، ومركز ثقافي باسمه؛ بينما تحوي المكتبة الرئيسية في المدينة أغلب أعماله المنشورة والمخطوطة ورسائله الشخصية والدراسات النقدية التي تناولت أعماله.

في القطار، قادمًا من مطار ليون إلى حيث اخترت تغريبتي الرابعة في مدينة فيكتور هيغو: بيزانسون، تذكرت أني قرأت روايته (البؤساء)- Les Misérables” حين كنت في العاشرة من عمري، عبر طبعةٍ مختصرةٍ عن “دار القلم” في بيروت، ثم بعد سنواتٍ.. قرأتها كاملةً بصفحاتها الألف، حتى صرت أكبر عامًا تلو عامٍ؛ بينما يظل “جان فالجان” في سجنه؛ ويبقى “جاف روش” طفلًا متشردًا، مشاغبًا، لا يكبر، ولا يغادر بؤسه القدري.. رغم خطاب هيغو عن بؤساء فرنسا والعالم كله، في الجمعية التشريعية الفرنسية:

“أنتم لم تفعلوا شيئًا، أنا ألحّ على هذه النقطة، ما دام النظام المادي الذي ثبتموه ليست قاعدته النظام الأخلاقي الوطيد! أنتم لم تفعلوا شيئًا. ما دام خلفكم جزء من الشعب فاقد للأمل! أنتم لم تفعلوا شيئًا. ما دام من هم في فورة الشباب، وهم القوة العاملة، يمكن ألا يجدوا خبزًا، وما دام الشيوخ الذين كانوا قد عملوا، يمكن ألا يجدوا مأوى، وما دام الربا ينهش شركاتنا، وما دمنا نموت جوعًا في مدننا، وما لم تكن بيننا قوانين أخوية.. قوانين إنجيلية تجمع على تقديم المساعدة للعائلات الفقيرة الفاضلة وللريفيين وللعمال والناس الطيبين”.

هيغو -أيضًا- غادر بلده مرغمًا قبل اعتقاله الوشيك، فهرب من باريس عام 1851 إلى بروكسل عاصمة بلجيكا، وفيها ألف كتابًا ضد نابليون الثالث أسماه (نابليون الصغير)! وفي ترجمة ثانية: “نابليون الحقير”، فأبعد بسبب كتابه إلى جزيرة جرسي في بحر المانش.. وإلى جزيرة بريطانية أخرى بعدها. أتذكر بينما يقترب القطار من ضفة نهر الدو “الأسد الصغير” الذي هجّرنا كتابًا وإعلاميين من بلدنا سورية.

أمضى هيغو 18 عامًا في منفاه الإجباري ما بين 1851 ـ 1870.

فكم سنمضي في تغريبتنا؛ أو نموت.. فنعذرا؟

في القطار، من ليون إلى بيزانسون، تفاديت المقارنة ما بين الفشل الأول للثورة الفرنسية، حين عادت الملكية إلى عروش طغيانها، بدعم الكهنوت والعروش كلها في أوروبا.. والفشل الأول للثورة السورية، حين تآمر الجميع لتعويم الطاغية فوق دماء السوريين، فالتاريخ لا يعيد نفسه مرتين.. إلا إذا كانت الإعادة هزيلةً جدًا أو أكثر دموية!

لهذا، أخذت أستعيد وقائع رواية هيغو (أحدب نوتردام).. كما حين أرسلتها مع كتبٍ غيرها إلى ابني “فرات”، في كرتونة شحنٍ من دمشق إلى باريس، ثم طلبت معلمته الفرنسية، من تلاميذ صفه الأول الثانوي، أن يجلبوا نسخةً من الرواية ذاتها، في أول زيارةٍ لهم إلى كنيسة نوتردام في باريس.

حمل فرات النسخة العربية معه، وهناك قرأ كل طالبٍ مقطعًا من رواية هيغو.. في الكنيسة إياها، بينما اختار هو أن يقرأ مقطعًا بالعربية لآخر ما قاله الأحدب “كوازيمودو Quasimodo” من أعلى البرج حيث النواقيس!

أما ثالث أعمال هيغو الروائية فهو (عمال البحر)؛ وثالوث دواوينه الشعرية: قصائد وأشعار جديدة- الشرقيات– تأملات، وثالوث أعماله المسرحية: كرومويل- إيرناني/ أو.. هيرناني كما ترجم عنوانها إلى العربية- ريو بالاس.

ثمة قلعتان في بيزانسون: قلعتها الحجرية العالية تحرس ثغور بلاد الغال، من جهة جبال الألب، وقلعتها الثانية هي فيكتور هيغو؛ أو.. هوغو؛ كما ورد اسمه في الترجمات العربية لأعماله؛ وبينما أكاد أنسى الصوتيات الإنكليزية، وأكاد أتعلم الصوتيات الفرنسية بصعوبةٍ؛ صار لكنية فيكتور لفظ ثالثٌ: أوغو.. حيث الهاء تكاد تلفظ ألفًا مضمومة، ثم سيردد موظفو دائرة الإقامة واللجوء اسمي المركب: نجم الدين؛ هكذا: ألادين “علاء الدين”، ولكن بلا مصباحٍ سحري؛ بل بمصباحٍ مكسور!

مع ذلك، خطفت باريس من بيزانسون حياة ورفاة هيغو في “مقبرة العظماء”، على غرار ما تفعل العواصم بالأطراف، حتى كاد فيكتور هيغو أن يصير الحاضر/ الغائب في مسقط رأسه، نحس بوجوده في كل ركنٍ منها: في الدروب الضيقة ما بين بيوتها الحجرية بلونها الأصهب، ما بين جدران منزله الأول في الجادة الكبرى أقرب إلى القلعة، وفي ألوان مدينته.. تتغير ما بين كل ثلجٍ وصحوٍ ومطرٍ وشمسٍ لاسعة؛ كما لو أنها في متناول أيدينا، كلما كنا أبعد في تغريبتنا، من جنوبٍ إلى شمال، لكنا نلمس تأثيرات فيكتور هيغو روائيًا وشاعرًا وكاتبًا مسرحيًا ورسامًا، في مدينته بيزانسون، كما يدور نهر الدو حول مركزها القديم، يحميها مثل سورٍ حجارته الماء وملاطه زبد مجراه.

يكاد فيكتور هيغو يختصر تاريخ فرنسا وتاريخ مسقط رأسه: بيزانسون.. بينما تتأرجح على الدوام، ما بين كونها أحد مهاد الكاثوليكية في بلاد الغال، وما بين تاريخٍ إمبراطوريٍ مديد، وما بين تقاليد الجمهورية منذ الثورة الفرنسية، من حيث كان والده ضابطًا مواليًا لنابليون بونابرت، وكانت والدته كاثوليكيةً مواليةً للملكية، بينما مر طريق هيغو بكل هذا.. مذ تمرد على آراء والدته عقب ثورة 1848 الفرنسية، فصار من مؤيدي الجمهورية، ومن منتقدي نابليون بونابرت، وصولًا إلى كراهيته المعلنة لنابليون الثالث: ابن أخ نابليون الأول!

من دمشق، من باب توما؛ حيث “مدرسة بيزانسون” إلى مدينة فيكتور هيغو.. حيث لا يعرف الكثير من أبنائها بوجود مدرسةٍ باسم مدينتهم هناك؛ ولتلك المفارقة -أيضًا- مقالة قادمة!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق