تحقيقات وتقارير سياسية

أبو مازن والثورة المؤامرة..

استهلّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، خطابَه الافتتاحي للمجلس الوطني الفلسطيني، بوصف ثورات الربيع العربي بـ “المؤامرة”. والحديث هنا ضمن قاعة يتمثل تحت قبتها أعضاء لحركة تحرر وطني ينتمون إلى ثورة، وقد أخذ هؤلاء يصفقون بحرارة لوصف الرئيس المذابحَ وتجريف المجتمعات، بـ “مؤامرة الربيع العربي”، التي حجبت خلفها، بريق المصفقين وألقَهم النضالي.

سابقًا، وصَف كثير من الزعامات العربية أو الشخصيات ثوراتِ الشعوب العربية بالمؤامرة، لكن أهمية خروجها من فم “أبو مازن”، أمام أعضاء يُفترض أنهم يمثلون شريحة من الثائرين والمناضلين للشعب الفلسطيني، تمثّل وضوحًا في صراحتها المنحازة إلى الطغاة.

ينعقد المجلس الوطني، وجزءٌ من أبناء الشعب الفلسطيني في شتاته السوري، يتعرض لحملة تطهير وإبادة على أيدي النظام السوري، حيث يتمّ تدمير أحد أهمّ مخيمات اللاجئين الفلسطينيين عن بكرة أبيه، ويُقتل المئات تحت التعذيب والآلاف تحت حطام منازلهم، نتيجة القصف بكل أنواع السلاح من الطائرة إلى الهاون.

بصراحة شديدة، نعرف الموقف الرسمي الفلسطيني حيال كارثة مخيم اليرموك، وقبلها الموقف من ثورات الربيع العربي، ولكن نموذج الرئيس أبو مازن، في تقديم “صراحته” المتحللة من التزام العروبة والأشقاء، يُعيد التأكيد عليها، فتظهر مفاهيم العروبة والأشقاء غير تلك التي نعرفها، إذ إنها تظهر من خلال طبقة الحكام الطغاة الذين يتاجرون -كما الطبقة الفاسدة من الثائرين- بقضية فلسطين.

الشعوب التي خرجت على حكامها وأدوات قمعها لا ترتبط مع فكر المصفقين، داخل قاعة المجلس الوطني الفلسطيني، بوشائج الأخوة والنضال ورفع الظلم. يقول الرئيس: “لا نريد أن نتدخل في شؤون أحد، ولا نريد أن يتدخل أحدٌ في شؤوننا”. لمن تلك الرسالة؟ هي للقاتل الذي أعدم المئات من الفلسطينيين، وقتل أكثر من الرقم الذي أورده أبو مازن في خطابه، من أن سلطات الاحتلال قتلت خلال 17 عامًا الأخيرة 2027 طفلًا فلسطينيًا، بينما يصمت ثوار الأمس عن قتل بشار الأسد أكثر من 3500 فلسطيني في سبعة أعوام، بينهم نساء وأطفال، ويضاعف في زنازينه ومعتقلاته أرقام الزنازين لدى الاحتلال.

مهازل ثورية الذات وتضخمها وأسطرتها، لتسخيف ثورات الآخرين، ستزيد من تقزيم واقع “الثائرين” على الربيع العربي، وتفضح نرجسية البعض وعجزهم. لم تكن الثورات العربية سببًا لتردي وضع قضية فلسطين، كما يتوهم متضخمو الثورة، بيمينها وإسلامها ويسارها الذي دوّن عجز الشارع العربي في أطنان مؤلفاته وأدبياته، وخطّ عن الاستبداد والظلم كعوائق أبدية لإقامة الحرية والديمقراطية.

المفاجأة في صراحة “أبو مازن” هي موقعها عند المصفقين عليها، وهي تضم كل مساوئ وموبقات وفساد وركاكة حركة تحرر في مدحها لطاغية، يقتل شعبها من باب “عدم التدخل”، فكيف إذا كانت الكارثة نكبة تستوجب مواقف وتحركات ضد القاتل، لا مواربة وجبنًا في المواقف؟

تكتفي السلطة الفلسطينية، المحتفلة بعرس المجلس الوطني، بصمت يُعين السفاح على إنجاز المهمة، ليبقى السؤال لهذا الحدث الكرنفالي المبتعد عن حس النقد والمسؤولية الأخلاقية، بعيدًا من أبسط المعايير الأخلاقية.

لن يستقيم حال القضية، دون مؤازرة لبّها الممثل في حرية غير مجزئة للاجئين وحواضنهم الشعبية، ودون ديمقراطية تتغنى بها تحت قبة مجلسك وتنكرها على غيرك، وهل من المنطق أن نصف ثورة المجتمعين في رام الله بأنها كذبة أميركية، بمنطق المصفقين لكلام أبو مازن عن ربيع العرب!!

 

مقالات ذات صلة

إغلاق