أدب وفنون

لحظة موت..

ثلاث طائرات تتداخل مع طائرات ورقية لأولاد يلعبون ويتسابقون في حقول العدس الحوراني الأحمر.

طائرتي لا ترتجف: قال طفل في الحادية عشرة من عمره.

طائرتي ملونة

قال طفلٌ آخر.

ثلاث طائرات سوداء تغطي على ضحكات الأطفال الحفاة، وهم يركضون في بقايا حقل من العدس… الأطفال يستمتعون بالركض حفاة على إسفنج العدس الأخضر.

العدس في الأرض له دفء النيتروجين

طائرات سوداء تحصي أقدام الأطفال الخمسة عشر

قال الطيار الضابط لرفيقه الجندي المتلثِم: هل أسقطها سيدي؟

قال الجندي دعهم يهربون إلى أزقة القرية.

اقتربت الطائرة السوداء من سماء الأطفال، وهم يركضون إلى قريتهم كفراشات يلاحقها دبورٌ أزرق.

القرية صارت ذات خبرة. الناس لا يتجمعون ولا يدخلون البيوت في هذه اللحظة.. اللحظة قاتلة وبطيئة.. يتفرقون فرادى كي يكون القربان قليلًا.. لكنهم يعرفون أنه لا بد من موت آتٍ.. يريدونه أقل.. كالوباء..

يصرخ رجلٌ بصوت هش من سماعة الجامع.. لا تتجمعوا.. اهربوا فرادى.

لكن الأطفال لا يحبون الركض فرادى.. هم أسراب من السمّن.. وكأنهم سرب نحل يدخلون ظلال القرية.. طائراتهم الورقية ما زالت تترنح.. ولمَ لا؟ فهي الآن بلا أيدي توجهها وبلا ضحكات تجعلها تتمايل كعروس في زرقة السماء.

لا فكاك من التجمع.. ثم الالتقاء.. ثم التفكك وهم يتطايرون على الأرض..

كل واحد يرى الطائرة السوداء فوق رأسه، وحده..

يركضون فرادى فلا يستطيعون.. بحكم الأزقة الضيقة، يتجمعون ويمسكون بثياب أمهاتهم اللواتي يردن لأولادهن أن يتركونهن.. كي يمتن وحدهن..

الطائرة السوداء تبحث عما يمكن أن يكون كومة من الأجساد المتجمعة.. أجساد تركض وتنظر إلى أعلى.. والطائرة لديها الهدية المتفجرة..

حاوية بمظلة.. تسقط ببطء.. ما زالت الحاوية في بطن الطائرة. لم يعلن الجندي الآمر بإسقاطها.. لا يريد لشباكِه أن تعود بسمكة واحدة.

أأسقطها سيدي؟

انتظر.. دعهم يتجمعون.. الحاوية مليئة وقادرة ولها ثمن.

طائرة واحدة فوق كومة من الناس يركضون..

وبيوت طينة عمرها من عمر الزمن المتعب.. من عمر سورية

سقوطها ينتظر أي صوت كي تنهار..

قرية مرسومة من عشوائية طينية، تؤوي الناس منذ آلاف السنين، وطائرتان ذهبتا كي تصطادا في قرى أخرى من ريف الموت.. ريف يكره السماء بعدما كان يعبدها.

صوت الأطفال يشكل نحيبًا كونيًا لم تدركه الأرض من قبل.. الأم لا تريد ابنها في هذه اللحظة

والأب لا يريد ولده..

تفرقوا.. تفرقوا هكذا يصرخ الناس..

بإلحاح الحياة، يصرخ أحدهم: لا تكونوا سواء.. هذه اللحظة لحظة الانفراط.. لحظة هروب الأم من أصابع صغيرها.. لحظة تمتد إلى آخر العمر..

دون وعي، تصطدم أجسادهم بالجدران.. وتضيع الجغرافيا.. والطائرة فوق كل منهم تمامًا.

أليس القمر فوق مَن ينظر إليه.. عصافير تراوغ نسرًا.. وتصير السماء ضيقة.. تصير ثقبًا أزرقَ.. الركض سيد النجاة.

قال الجندي آمرًا: أسقطها..

تسقط الحاوية المملوءة بالكارثة، المملوءة بكل الموت والجماجم والديناميت..

تنفتح المظلة.. تسقط حاوية الموت بهدوء.. وهي تضحك بأنياب الجن والشياطين.. كل طفل يبحث عن نجاة فارغة.. الحاوية فوق رأسه، رأسه وحده.. يركض.. يركضون.. يصرخون.. تتصادم الأجساد من جديد.. وببطء الاختناق، تتهاوى الحاوية على الرؤوس..

لا نغم يشبه صراخهم.. غبار يغطي القرية، يستمر الأنين بعدما ينتهي صدى الانفجار..

ثمة أشلاء تصطدم بالطائرات الورقية..

وينخفض كل شيء.. كل شيء

والطائرة تعود وذيلها ملطخٌ بالدماء.

 

*اللوحة للفنان السوري طلال أبو دان

مقالات ذات صلة

إغلاق