أدب وفنون

اضحك ثم اعترض.. في تهجئة السخرية، أولها ثرثرة

البرامج الحوارية، أو كما تسمى في الغالب برامج الـ Talk shaw، صارت الهوية الأساسية لكل قناة فضائية، تحمل في جعبتها كل ما هو مثيرٌ للجدل، لتتم مناقشته بشكل ساخرٍ، تأخذ الطابع السَّاخن والمباشر في الحوار مع الضيف. هذا المنتج الإعلامي انتشر بوتيرةٍ متسارعةٍ، في السنوات القليلة الماضية، خصوصًا بعد نجاح برنامج (البرنامج) لباسم يوسف قبل إيقافه.

مع ظهور قناة (تلفزيون سوريا) في آذار/ مارس الماضي، خرجت لنا مجموعة من التجارب السورية في هذا المجال (مع التذكير بأنَّها ليست الأولى)، محاولة مواكبة باقي التجارب العربية، أشهرها المصرية واللبنانية، متجاوزة كل العوائق التي تحول دون وصولنا إلى الاحتراف في برامج الـ Talk show، أهم هذه العوائق هي اللهجة السورية الثقيلة، التي تخلق حاجزًا بين المقدّم والمتلقي، مقارنة باللهجة المصرية على سبيل المثال، فحين تسمعها تشعر بمرونتها الصوتية، وتضحك، أو على الأقل تبتسم، حين يروي لك أحدهم أحداثه اليومية بلهجته المصرية.

من هذه التجارب، برنامج (نور خانم)، الذي لا يتوَّجه إلى الجمهور السوري؛ إنَّما إلى العربي ككل، وهو يُعتبر أفضل من غيره من التجارب في هذا المجال، من ناحية إدخاله عناصر أجنبية على سياق البرنامج. وتكاد هذه النقطة الوحيدة التي جعلته أفضل من البرامج السورية المتداولة حاليًا، لكن حتى هذه التجربة المبتكرة تخلط بين التهريج والكوميديا، فلا تُدرك معنى السخرية الحقيقية، التي هي من أصعب الفنون، لذلك غالبًا ما استخدمت كمادةٍ ساذجةٍ.

يتميز مقدِّمو “التوك شو” وفريق إعداد هذه البرامج، بقوة الملاحظة ودراسة محتويات الأخبار والأحداث، ليفرضوا عليها طريقة نشر تغلب عليها الأصالة الإبداعية، وطرح وجهة نظر جديدة حول موضوع معيَّن شاع بين الناس، لتنتشر النُّكات الجديدة بين الجمهور، وتصير مرتبطة باسمهم، وأحيانًا يكون لها حماية قانونية لارتباطها بطريقة أداء المقدم ذاته، ومقدمة البرنامج نور حدّاد على دراية أكاديمية بذلك، كونها درست الاتصال الجماهيري في جامعة البتراء، لكن في كل الحلقات كانت “الإفّيهات” جاهزةً وحاضرةً لذهن المُشاهد، معلَّبةً غير ذكيةٍ، وكان استخدامها متوقّعًا! ومعظم ما شاهدته بات مكررًا، وغصَّت مواقع التواصل الاجتماعي به؛ إذ إنها تعتمد على أسلوب التعليق الظاهري للحدث، بدلًا من أن تردّ من زوايا أكثر سخريةً، في ظل فراغ كوميدي يفتقر إلى التعبير من خلاله على شخصيتها أو ملامح وجهها، ولا يختص به البرنامج، ومن ثم تنتقل إلى الموضوع الذي يليه، ليتساءل المُشاهد متى المطلوب منه أن يضحك؟!

فقرة من 6 دقائق و42 ثانية، في الحلقة الخامسة من البرنامج، تتكلم عن أخت الشاب المعروف، التي تخرج من بيتها الساعة الثالثة فجرًا، والتي استُهلكت كل عناصر السخرية فيها، بالنسبة إلى أي كائن سوري على وجه المعمورة، (هذا إذا كانت مدعاة للسخرية أصلًا، لأسباب يطول شرحها).

بعنوان “لغز أخته”، تُجبر الفقرة المُشاهدَ على أن يغضب بدلًا من أن يضحك، بعنوان سُمّي على عجل -على ما يبدو- وبأداء سطحي، ولا أدري أكان فريق الإعداد قاصدًا رفع ضغطنا، حين اختار صوت المتحدث، أم لا، ناهيك عن أن الفكرة بمجملها مكررة عشرات المرات، كبرنامج “البلاتوه” المصري، حين استعملها (لشرح حياة السنجل).. فإعادة استخدام فكرة بأداءٍ ضعيفٍ، يشبه تناول شخص طعامًا مع علمه بانتهاء صلاحيته، وقد تكاسل عن الطهي؛ لتكون النتيجة كارثية.

كان لديّ حماسة شديدة، عندما شاهدت الحلقة الأولى من البرنامج، وكانت تتمحور حول المرأة ويومها العالمي، وظلّت الأعصاب هادئةً، حتى مشاهدة فقرة “أم عاطف”، وهي من ضمن فقرات البرنامج. فكرة الأخذ والرد بالحديث في برامج “التوك شو” مفيدة جدًا ومهمة للمقدِّم، فعندما يكون المقدّم شخصًا واحدًا، سيصطدم بالصمت التلقائي وربما السهو؛ ما ينتج عنه ملل المُشاهد وهدم الفكرة، مهما كانت ناجحة. أمّا فكرة المحادثة بين شخصين، فهي تُجنِّب البرنامج سلبيات كهذه. لكن أداء شخصية “أم عاطف” التي يقوم بدورها عابد ملحم أقرب إلى جلسات نسائية تقليدية، سِمَتُها الأساسية الثرثرة، تخلو من أي ميزة فكاهية، لا توجد ردّات فعل حتى نتوقعها هنا، فما هي المؤهلات التي اقتنع بها مخرج البرنامج جمال داود، لأن يكلِّفه بهذا الدور الذي سيستمر معنا طوال موسم البرنامج!؟

يتعامل فريق عمل البرنامج باستهانةٍ شديدةٍ مع المُشاهد، بتأديتهِ المَشاهد الوصفية لمواضيع الحلقات، وكأننا في زمن القناة الواحدة التي لا مفرّ من بلاهة ما تعرضه لنا، ما ينتج بالتالي انعدام أي ملامح احتراف في هذه التجربة، هذه الاستهانة بتكرار الأفكار لنقد الحال السوري، تخيِّب أمل المُشاهد بنشوء كوادر سورية متخصصة في برامج النقد الساخر، تُعطينا تجارب تظل في الذاكرة طويلًا، ويمكن مقارنتها بالتجارب العربية الأخرى.

فضلًا عن اسم البرنامج الـ “كليشه”، المتلائم مع برنامج “يوميات خاصة” الذي يبث عبر (يوتيوب)، الخفيف اللطيف، فإن شارة المقدّمة للبرنامج كان من الأفضل لها الاكتفاء بموسيقى دون الغناء النشاز فيها، أو الإتيان بصوتٍ أفضل للاحتفاظ بكلمات الشارة المناسبة جدًا مع مضمون البرنامج.

إن التبعيَّة واضحة للأعمى، للجهة التي تموِّل القناة الراعية لهذا البرنامج؛ مما يعكِّر بشكل مؤسف جوهرَ كل فكرة تُطرح في البرنامج. في كل نقد يوجَّه إلى قضايا الخليج العربي، تتم السخرية من دولتين، دون أي تطرق لنقد الدولة الخصم، التي لم تنجُ -أيضًا- من تناقض المواقف السياسية، ففي أوبريت “السجن العربي”، في الحلقة الثالثة من البرنامج، فكرة السخرية بهذه الطريقة رهان رابح دائمًا.. لكن على ما يبدو ليس معنا نحن السوريين، الأصوات المصرية كانت لا بأس بها، لكن الأصوات السورية كانت سيئة والتنفيذ أسوأ، حين يتم الغناء بلهجة خليجية ركيكة جدًا، وكان من المستفز تصوير دول خليجية بعينها، على أنَّها الوحيدة التي تنفق أموالها بشكل جنوني لمصلحة الغرب، أو للمصالح الشخصية لقادة تلك الدول، وترك الدولة الخصم -مرة أخرى- وكأنها الدولة الأفلاطونية في غابة الوحوش! كان بإمكان الإعداد تقديم مادة تاريخية، بحصر الأوبريت في الوضع السوري فقط، لكن على ما يبدو فشلنا حتى في ذلك. في عدَّاد البرنامج 8 حلقات إلى الآن، وكل حلقة 50 دقيقة تقريبًا، ولم يتمّ انتقاد أي فصيل من فصائل المعارضة المتهالكة إلى الآن، والتي كان لها دورٌ كبيرٌ في ما آلت إليه الأوضاع المأسوية في البلد. انتقاد النظام صار شيئًا بديهيًا، لكن الأهم هو انتقاد الذي يعارضه. أتفهَّم أن لكل قناة داعميها، بغض النظر عن ميولهم الفكرية والسياسية، لكن إذا لم يتم التحايل على هذه العقبة؛ فستختفي كامل أهداف هذا النوع من البرامج، وهي كسر التابوهات، وتجاوز الخطوط الحمر عن طريق اختراقها بالسخرية، وأظن أنَّ من الذكاء السماحَ بنقد أي جهة يريد إعداد البرنامج نقدها، ليكتسب البرنامج مصداقيته من عمله، ولكيلا يتمّ تحويل مقدِّمي هذه البرامج إلى مجندين للدفاع عن مصالح معينة، بعيدة كل البعد من مغزاها الأساس: حرية النقد، وإذا كان من الصعوبة تحقيق هذا؛ فليتم اللجوء إلى منصة (يوتيوب)، حيث الانتقاد دون قيد، ويكون صوت الواقع لا المموِّل.

في تهجئة البدايات، تكون الأمور أكثر صعوبةً مما بعدها، وفي تهجئتنا -السوريين- للسخرية، من المتوقع أن نتعثَّر لانعدام الخبرة الطويلة، لكن من المُلاحظ أنَّ هناك محاولة صادقة من فريق عمل البرنامج، لتقديم أفضل ما لديه من خبرات، وتطويرها في كل حلقة جديدة، وتفادي الأخطاء التي تمّ الوقوع فيها سابقًا. ويظهر هذا التطوُّر خصوصًا في الحلقتين السابعة والثامنة من البرنامج.

أربعة برامج من الفصيلة ذاتها تُعرض على القناة ذاتها، وهذا عبءٌ فكاهيٌ على المُشاهد، وكأن القائمين على القناة يُلزمون متابعيهم أن يضحكوا ويقهقهوا، وبعض هذه البرامج تسير على مبدأ “اضحك ثم اعترض”.. كونها مستمرة بنكاتٍ لا تستحق الذكر، بالرغم من أكوام النقد الذي لاقته من الجمهور.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق