مقالات الرأي

سبق صحفي: جبهة النصرة في إدلب

من يتابع الملف السوري في الإعلام العربي عمومًا؛ يعتقد أن ثمة موظفًا يكتب الأخبار، يضع نظارات طبية سميكة، وأمامه آلة كاتبة من الطراز الأقدم، ومنفضة سجائر طافحة بأعقاب السجائر؛ فجأة ينتفض هذا الموظف إلى شاب “بستايل مودرن” فرحًا يبشر جمهور متابعيه: لقد كتبت صحيفة أميركية عن الموضوع السوري؛ فترقبوا المفاجآت والأخبار الصاعقة، لقد حقق سبقه الصحفي. فما إن تنشر صحيفة أميركية أو غربيّة تقريرًا عن إحدى مناطق سورية حتى يضحك الموظف ويتلقف التقرير، فيرسله إلى الأصدقاء والزملاء والناشطين في شرق الأرض ومغربها: “إجا الخير”، ومعروف أن الخير القادم من الصحافة الأجنبية يقتصر على أخبار (داعش) والفصائل المتشددة، وفي مقدمتها (هيئة تحرير الشام/ النصرة).

هنا تخطر ببالنا الأسئلة البسيطة البديهية: هل يوجد مواطن سوري مؤيد للنظام أو معارض له، لا يعرف أن إدلب خرجت عن سيطرة النظام في آذار/ مارس 2015؟ هل يوجد إعلاميٌ -سوريًا كان أم غير سوري- يعمل في الإعلام السوري المعارض أو الموالي، أو يعمل في الإعلام العربي، لم يكتب عشرات الأخبار والتقارير عن “جبهة النصرة” في إدلب، والموجودة مع فصائل “صديقة” أخرى، قبل خروج المدينة عن سيطرة النظام، وبعد خروجه أصبحت “النصرة” موجودة بشكل فاعل وواضح ورئيس؟

في منتصف شهر نيسان الماضي، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية تقريرًا، كان من المنطقي ألا يعيره أحد أي انتباه؛ لأن اكتشاف الصحيفة يتلخص بأن “النصرة موجودة في إدلب”!

ما حدث أنه ما إن حذرت الصحيفة الأميركية من وجود “النصرة” في إدلب، حتى هرولت وتراكضت وسائل الإعلام العربية والسورية للنقل عن الصحيفة تحذيراتها، وكأنهم لأول مرة يسمعون بأن “جبهة النصرة” في إدلب! “جبهة النصرة” التي تحولت في المرة الأولى لتصبح “جبهة فتح الشام” في تموز/ يوليو 2016، ومن ثم تحولت مرة ثانية، فأصبحت “هيئة تحرير الشام” في كانون الثاني/ يناير 2017، إذًا هي المرة الأولى التي يعرفون فيها هذه المعلومة. وهكذا انطلقت السباقات والمنافسات الإعلامية بتدبيج مانشيتات نارية عن وجود تنظيم جديد متطرف يتبع للقاعدة، وعن تشكيل هذا التنظيم لما يسمى “حكومة إنقاذ”، وهي حكومة الإنقاذ ذاتها التي شكلتها “هيئة تحرير الشام” في أواخر 2017، والتي تابعها الإعلام بشكل شبه يومي لشدة وعشوائية ظلمها، في ملاحقة ومراقبة حياة الناس في إدلب، بتفاصيلها لا بمشكلاتها الأساسية.

يعرف الجميع أن لا وجود لمراسلين أجانب في إدلب، وأن “جبهة النصرة” منذ زمن أوصلت رسالتها واضحة جلية: “كل صحفي أجنبي يدخل إدلب ستختطفه الجبهة، وتساوم على إطلاق سراحه”؛ ولقد وصلت الرسالة، فقررت غالبية الصحف والقنوات الأجنبية تجنب مخاطرة إرسال صحافيين ومراسلين إلى تلك المدينة؛ لتصبح أخبار المدينة وريفها معتمدة على الناشطين والصحافيين والمصورين المحليين، وأما الصحافيون غير السوريين الذين استطاعوا الدخول إلى إدلب، فجميعهم كانوا حالات فردية، ومعظمهم دخل بالتنسيق مع “هيئة تحرير الشام”، وهذه المعلومات معروفة ومتاحة على صفحات الإنترنت، في المواقع الصغيرة والكبيرة، والصفحات الإخبارية السورية المؤيدة منها للنظام والمعارضة.

بعد خروج المدينة عن سيطرة النظام السوري 2015، عاشت إدلب المجازر على نحو مستمر، وكانت الحجة الجاهزة، لدى النظام وروسيا، لقصف وتدمير المدينة وريفها هي وجود “جبهة النصرة” فيها، وخلال أول أسبوعين ما بعد خروج النظام من المدينة قتَل النظام نحو 236 إنسانًا في إدلب، وتلقت المدينة 47 قنبلة برميلية و100 صاروخ في 200 غارة، وفق أرقام الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وفي كانون الأول/ ديسمبر 2016، أطلقت منظمات مدنية وحقوقية نداءً للمطالبة بمراقبين دوليين في إدلب، لكثرة استهدافها من النظام وروسيا، بحجة وجود “جبهة النصرة”.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2017، أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرًا خاصًا بانتهاكات (هيئة تحرير الشام/ النصرة) في إدلب، بدءًا من القتل والاعتقال التعسفي، ومرورًا بالملاحقات الأمنية والاستدعاء إلى المحاكم الشرعية.

في شهر آذار/ مارس 2017، ارتكب النظام ثلاث مجازر في إدلب، وفي أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، تمّ الإعلان عن تدمير النظام لاتفاق أستانا آذار/ مارس 2017، بسبب الانتهاكات المستمرة للنظام وروسيا لكل الهدن، وعدم التزامهما باتفاق خفض التصعيد في إدلب الذي تمّ الاتفاق عليه.

لم يتوقف النظام السوري وروسيا يومًا واحدًا عن استهداف إدلب وقصفها وارتكاب المجازر، وبقي وجود “هيئة تحرير الشام” الذريعة الأولى والأخيرة لهذا الاستهداف، منذ 2015 حتى اليوم، وأما إدلب من الداخل، فإنها تحولت -اجتماعيًا- إلى خزان من البشر، يكاد ينفد منه الهواء لكثرة ساكنيه، فاستقبلت كل المهجرين من مدنهم وأراضيهم، وعسكريًا فإن الشغل الشاغل لفصائل إدلب هو الاقتتال بين الهيئة والفصائل، وتجدد الاقتتال، ومن ثمّ اقتتال جديد، فخروج فصيل جديد من جسد آخر، وليتجدد الاقتتال بين الهيئة وتلك الفصائل المنبثقة عن بعضها البعض.

هل هي عقدة الإفرنجي؟ هل هي عقدة النقص الملازمة لشعوبنا وثقافتنا، منذ بدايات القرن الماضي، أمام الغرب المنطلق بسرعة الصواريخ تقدمًا علميًا واجتماعيًا ورخاءً ماديًا؟ هل هو الإعلام الذي رسخ هذا السلوك، أم أن الإعلام يمارس تجارته في السوق، وفق قاعدة “الجمهور عايز كده!!

في الواقع، ربما يكون الجواب أن كل هذه الأسباب معًا، وفوقها وتحتها أسباب كثيرة؛ فلطالما لفت نظري خصام أو جدال طرفين، نخبويين أو إعلاميين، إلى درجة التشابك بالأيدي، حتى يأتي أحدهما بالحجة النهائية: “ذكرت صحيفة أميركية هذا، وقال مسؤول ألماني التالي”!

إنه ليس مرض الإعلام فقط، بل هو مرض أصاب نُخبَنا ومثقفينا، ورسّخه فراعنة بلادنا، وسوّقه معهم شيوخ إسلاميون ومناضلون قوميون. ربما نحتاج إلى عقود، قبل أن ندرك أننا في عصر الإعلام، لا عصر السلاح النووي ولا عصر الفضاء، مَن يدير الإعلام يدير رؤوس الشعوب يمنة ويسارًا، وها نحن في سورية ندفع ثمن الإعلام الخشبي أو المنحاز منذ سبع سنين، وربما ندفع ثمنًا لعناوينه، أكثر مما دفعنا دمًا تحت براميل وصواريخ الطاغية الكيمياوي، وقذائف وسيوف النصرة ومن شابهها.

عن أي إعلام عربي وسوري نتحدث، عندما يصاب الجميع بلوثة اسمها صحيفة أميركية، ويسارعون لترويج وجود “جبهة النصرة” في إدلب!

عفوًا!! لم نسمعكم!! أعيدوا على مسامعنا!! أكتشفتُم أن “جبهة النصرة” موجودة في إدلب؟! صفقة طلائعية لإعلامكم.

مقالات ذات صلة

إغلاق