هموم ثقافية

“الإيغو”: وحشنا الذي يتربّص بنا

كيف تسلّطَت أناك عليك؟ ولماذا لا تسمع عادة سوى صوتك؟ ومن هذا الذي يكلمك على شكل هاتف داخلي، في لحظات دفاعك عن فكرتك أو مبادئك التي “لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها”؟

لا أبحث عن إجابات لهذه الأسئلة التي ربّما لم يبقَ أحد إلا طرحها وناقشها وانبرى للتقعيد لها، وبيان توجهات ومستويات تحليل هذا الصوت الداخلي الذي يفلت منّا ويتجبّر علينا، ودراسة تدرّجاته بدءًا من كونه حالة مرضية، وصولًا إلى اعتباره محفّزًا على الإبداع، غير أني، في معرض مروري على الكثير مما يتم طرحه على شكل أدب -مع اختلاف تسمياته أو تصنيفاته- وجدتُ أن هذه الأنا المتضخمة حدَّ وصولها إلى ما يشبه الوحش الذي يدافع عن أحقيته –بغض النظر عن مشروعية الحالة الدفاعية أو انعدامها– إنما تعمل بشكل حثيث على إلزام الآخر بتقبُّلِها، وفي أحيان كثيرة تعمل على إلزامه العمل بها، واعتبارها حقيقة مطلقة لا تقبل الجدل.

وبتفهّمٍ كامل لما لشخصية الكاتب من نرجسية لا تفارقه؛ نستطيع فهم هذه “الأنا” لديه، على اعتبار أنها شكل من أشكال الدفاع الذاتي، لخلق حالة من التوازن بينه -نفسيًا- وبين العالم المحيط. ومع أن تضخم الأنا لا يفارق كونه حالة مَرضِيّة، فهي لدى الكاتب حالة دفاعية مُرضيَة لكينونته التي يرى أصلًا أنها مغايرة للعام بوصفه مريضًا، فيما لا يتردد الآخر في وصف الكاتب الذي تظهر لديه نوازع هذه الأنا بالمجنون، أو على الأقل بالمريض؛ ذلك أن الأنا التي يمتلكها الآخر لا تقل فتكًا عن أنا الكاتب.

نحن هنا إذًا أمام الإيغو Ego، في أشد حالاته بروزًا وتجليًا بين المرسل “الكاتب” والمتلقي “القارئ”، ولأن كلا الطرفين يعتد بأناه؛ تظهر بالضرورة حالة من التسليم لكل طرف بأحقية أناه على أنا الآخر، وفي النتيجة يروح الكاتب إلى القول بأنه ينتج أدبه ويمنحه لمن يرقى إلى مستواه! ونادرًا ما نجد كاتبًا يعتد بشعبوية نتاجه؛ إذ كل الكُتّاب جهرًا يتوجهون إلى القارئ بكل مراتبه، وضمنًا يقولون بنخبويتهم، وهذا مما يؤخذ على معشر الكُتّاب. وبالمقابل يروح المتلقي إلى القول بسهولة ما تلقاه من رسائل –وقد تصل أحيانًا إلى انعدام وجود رسالة أصلًا- أو بأن ما تلقّاه من الصعوبة بمكان مما يوحي بالغموض غير المبرر كليًا. وهنا لا بدّ من التأكيد على أن من الإنصاف القول: ليس كل ما لا تفهمه يخرج عن كونه أدبًا، وبالمقابل ليس كل ما تستطيع استيعابه وتلقيه ببساطة –بالضرورة- ينطوي تحت مسمى الأدب، أو على الأقل ليس نتاجًا أدبيًا يستحق الوقوف عنده وتدبُّر مقاصده.

وبتوسيع مجال النظر وزاوية الرؤية وتسليط الضوء على ما يحدث خارج دائرة الأدب –بمفهومه المعتمد– نستطيع فهم حالة التخبط والتضاد المتعاظمة بين المتخاصمِين، أو المنقسمِين إلى وجهَي عملة واحدة، من حيث تأييد فعل ما، أو رفضه.

إن الانقسامات الحاصلة عمومًا تخضع لهذه الأنا المتورمة، لدى وجهي العملة ذاتها، ولنراقب ذواتنا وهي تطلق الأحكام القطعية –بحسب وجهات نظرنا– تجاه المواضيع والأحداث التي تعترينا جميعًا، وكيف أننا في أوج تنطّعنا لمقولة: “الإنسانية لا تتجزأ”، نجزّئ هذه الإنسانية، بناء على مقاييس يخلقها مخزوننا وموروثنا التربوي المجتمعي، والثقافي! حيث إننا نطالب الآخر باحترام آرائنا، وفهمنا للإنسانية (هذا المصطلح الفضفاض)، بينما في أغلب الأحيان –إن لم يكن في جميعها- نتجرد من إنسانيتنا تجاه حقوق الآخر في التعبير، أو التضامن، فضلًا عن أننا نعادي بخفاء، إن لم نهاجم، مَن يخالفنا في الاتجاه أو التوجه.

“الإيغو” ليس محض حالة فردية كما نعرفه، فهو بما اكتسبه من موروث صار حالة جمعية، وبمراقبة ما وصل إليه واقعنا؛ نستطيع تلمّس مخالبه وأنيابه التي إن لم نعمل جميعنا –دون تقسيمات لا طائل منها- على لجمه وترويضه؛ فإننا بلا شك سنكون أمام وحش كبير، يمنعنا من العيش المشترك على الأقل إلى وقت ليس بالقليل.

إنه الوحش الذي يسكننا بلا منازع.

 

*اللوحة للفنان السوري دلدار فيلمز

مقالات ذات صلة

إغلاق