تحقيقات وتقارير سياسية

طبقة عاملة لسلطة قاتلة

الطبَقة هنا، لا تشير إلى نخبة البروليتاريا والكادحين، بل إلى من استعار شعار الطبقة العاملة، مع شعارات أخرى تدل على عدالة اجتماعية وسياسية واقتصادية في زمن مضى، والاستعارة أيضًا تظهر تقليدًا فارغ المضمون، لمن ورث شعارات تنويرية وتثقيفية في هذا المضمار، ورسب في امتحاناته وشروطه الاجتماعية كلها.

يمكن في مدار تلك الاستعارة والوراثة (التي كان لأحزاب “الطبقة العاملة”، في العالم العربي وطبقتها القيادية تحديدًا، “مشروعها التحرري”، وعثرت في العمال والفلاحين على أسس ذاك المشروع) أن ندرجَ تجربة النخب السياسية وأحزابها، عندما جسدت جماهير الكادحين والمسحوقين ثوراتها، دون مقاس تلك النخب التي ارتبط مقياسها بالسلطات الحاكمة.

تبقى الثورة السورية كاشفًا لكل زيف الشعارات المرتبطة بالعدالة الإنسانية والكونية؛ إذ تعرّت أمامها شعارات المنظومة القيمية للعالم الإنساني كله، فحين واجهت الطبقة العاملة، وحشيةَ السلطة الحاكمة؛ وقف ضدها من استعار شعاراتٍ، تحوّلت من التحالف مع الطبقة العاملة إلى الالتصاق مع السلطة القاتلة.

ليست النخب فقط من انحاز إلى السلطة الحاكمة، بل ثمة أحزاب وشخصيات استعارت تلك الشعارات، ومارست خداعًا تاريخيًا على الكادحين، حتى انهار جدارها، عندما اتحدت “ثورية النخب البروليتارية” مع فاشية النظام السوري؛ فكان للرايات الاشتراكية والعمالية نصيب من دم السوريين.

في عهد الثورة السورية، اتضح تنسيق “ثوري”، بين النظام القاتل والقوى التي استعارت أحاديث عن البروليتاريا والاشتراكية والماركسية، ومما لا شك فيه أنه يمكن الحديث عن بروليتاريا مختلفة، غير تلك التي كان يقصدها من استعار وورث أحزاب المراحل التاريخية، حيث هناك جمهور من تلك البروليتارية، يقاتل في جيش السفاح، وهناك نخبها المشكلة للوبي قوي، يدافع بشراسة عن طاغيةٍ قتَل وسحق آباءً وأُمهات كادحين، وأطفالًا كانوا سيكونون من شريحة تغرّد خارج سرب السلطان، الأمر الذي يقصي مفهوم الطبقة العاملة وأوهامها في العدالة والحرية، والأمر الذي يفترض مفهومًا مغايرًا عن الذي قصدته مناسبات وشعارات كونية مستعارة، دلّت على عمال وكادحين نراهم في نسختنا السورية مسفوحين كل الوقت.

لا وجود للطبقة العاملة في سورية، لا في آثار المجازر المرتكبة بحقها، ولا في التدمير المنهجي لبنيتها وبيئتها، على ما تدعيه النخب التي سرقت شعارات وأمنيات عموم السوريين! إذا استعرنا تسمية الكادحين والمسفوحين؛ فسيصبح العمال والفلاحون بيئة “إرهابية” يجب اجتثاثها، إذًا، في الآثار السياسية المشخصة لحالة الطبقة العاملة السورية الصادرة عن صراعها مع الطبقة النقيض، والتي تترك آثارها على مسار شامل للحركة الاجتماعية والسياسية في سورية، لا وجود لنقائض تلك الطبقة، بل هناك نشوء لطبقة واحدة، استطاعت إحداث “تجانس” قائم على إنكار الوجود، وهي موغلة في تجريد الشعارات والمناسبات من جوهرها ووظيفتها، وهو ما فعلته أحزاب ونخب ثورية ويسارية.

الاستبدال المأسوي، لأحزاب وقوى استعارت شعارات الطبقة العاملة من خلال مفردات نضالها، كان هناك فعلًا مغايرًا لتلك الشعارات، من الانحياز إلى طبقة العمال، إلى الانخراط مع القاتل في وظيفة سحق وقتل العامل وتجريف بيئته وتغييرها ديموغرافيًا، الاستدلال الآخر يتمظهر، من خلال الانتقال من عملية المهادنة التي صبغت أحزابًا وقوى يسارية تعنى بالطبقة العاملة، وصبّت في طاحونة النظام، من المهادنة إلى المشاركة والإجهاز على ثورة الطبقة العاملة.

يبقى مشروع الثورة السورية هو المفرز الطبيعي لمرحلة ما قبلها وبعدها، ولسلوك وأداء حركات ونخب ثورية وإنسانية تتحدث عن الحرية والعدالة، وبالتالي يعدّ تأزم وتآمر تلك المرحلة من العوامل المؤثرة على استمراريتها، خصوصًا أن ملايين “البروليتاريين” السوريين الذين هُجروا من وطنهم، أو مئات آلاف الكادحين الذين قُتلوا على أيدي طبقة “عاملة” على خدمة النظام السفاح، تلعثموا إلى الأبد، عند صراخ العمال، والسؤال السوري الذي يبقى مطروحًا، أمام مناسبات تاريخية وكونية سادت قبل اندلاع الثورة: كيف يمكن إرجاع هذه المناسبات إلى ثقافة مقتربة من العقل؟ لا يمكن استرجاعها؛ إن هي هربت وتخلّت عن وظيفتها في لحظة الكفاح التاريخي.

مقالات ذات صلة

إغلاق