تحقيقات وتقارير سياسية

سوريو الثورة والتحوّل إلى الحيادية

لا يمكن لأي متفائل أن يُغطّي واقع الثورة والناس المحسوبين عليها، بأي غرابيل أو مبررات، فمنذ زمنٍ وخطّ التراجع والانزياح وانسداد الأفق السياسي، وقبله العسكري، يرسم لوحة الوضع، ويترك ظلاله على الجميع، وبخاصة بعد موضعة الاحتلال الروسي وممارسته سياسة الأرض المحروقة، وتدمير البنى التحتية، واستهداف الحاضنة الشعبية ووضعها أمام سبل التصالح والاستسلام، والقبول بالعروض الروسية المخلّة، والمواقف الأميركية التي توّجت بإيقاف الدعم العسكري عن الفصائل، وصولًا إلى فقدان معظم المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة وعودة النظام إليها، مقابل غموض وضبابية مصير بقية المناطق التي تقع تحت النفوذ التركي، أو حالة إدلب، وتموّج الوضع بين اللاعبين الدوليين، تنافسًا وتصارعًا وتناغمًا؛ لتعمّ حالة من اليأس لدى أوساط متعددة من المحسوبين على الثورة.

هناك حالة سورية متسعة، تتحوّل إلى نوع من الحيادية، والانشغال بالأمور الخاصة والحياتية، وقسم كبير من هؤلاء كان من الناشطين، أو في عداد الثوار، لكن تحوّلات الثورة، وتعقّد الأوضاع، وغلبة العَسكرة والأسلمة والأطروحات المتشددة، جعلَت نسبة كبيرة من هؤلاء لا تجد لها مكانًا في الثورة، ولا تمنحها التأييد، أو المراهنة على إعادتها إلى جذورها وأهدافها كثورة للحرية والكرامة، لجميع السوريين.

نجد هذه الوضعية الأكثر بلورة وتموضعًا، لدى مئات آلاف الشباب الذين لجؤوا إلى أوروبا، وانغمسوا في المجتمعات الجديدة، وهم يخضعون لعمليات القولبة والتكييف وتعلم اللغة والبحث عن عمل، ومشاغل الحياة، بواقع تراجع فعل الثورة وانسداد الحل السياسي؛ فترك كثير منهم اهتماماته العامة، وبات البعض في الموقع السلبي.

هناك أيضًا الغارقون في هموم اللجوء وتعقيداته، في لبنان والأردن وتركيا ومصر، والبحث عن عمل وإقامة وتربية الأولاد، في ظلّ أوضاع استثنائية تولّد المزيد من الأزمات والمعاناة، وسط مأساة سورية شاملة، يُضاف إلى هؤلاء قطاعات سورية واسعة في الداخل ضمن “المناطق المحررة”، أو في تلك التي يسيطر عليها النظام، عرفت تراجعًا في تأييدها للثورة وتفاؤلها بالانتصار، آخذين بالاعتبار أن النتائج العامة للوضع السوري -وإن بدت أنها ضد الثورة- ليست نصرًا للنظام، بالتأكيد.

عبر مسار التراجعات، خاصة في دور ومواقع الفصائل العسكرية، ودخول روسيا بقوة في ما يُعرف بمناطق تخفيض التوتر، والمصالحات التي تعقدها مع المناطق التابعة للثورة، وعلى صعيد بعض الفئات والقوى السياسية؛ تنتشر أفكار تراجعية وتبريرية، تدعو إلى التصالح مع النظام وفتح حوارات مباشرة معه، بل القبول بشروطه ضمن ما يُعرف بـ “العودة إلى حضن الوطن”، وهي تلقى تشجيعًا من روسيا وبعض الأوساط الدولية، على قاعدة أن المعارضة خسرت المعركة وفشلت في إنهاء النظام، وأن لا مجال لتطبيق قرارات الشرعية الدولية، خاصة بيان (جنيف 1)، والقرار 2054 المتعلق بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي، وبدء مرحلة انتقالية تفضي إلى بناء نظام مدني ديمقراطي. هذه التطورات تُنمّي اتجاهات تدعو إلى التراجع عمّا يُعرف بثوابت الثورة التي تقع تحت عنوان كبير: إنهاء نظام الاستبداد والفئوية، وإقامة النظام البديل، ورفض وجود أي دور لرأس النظام وكبار رموزه من الملوثة أيديهم بالدماء، في أي مرحلة انتقالية، وتأكيد ما يُعرف بالواقعية التي تريد تكريس بقاء النظام، وعقد نوع من المصالحة معه، ونوع من التعاون، خصوصًا أن معظم دول العالم، ومن بينهم أصدقاء الشعب السوري، يرددون هذه المقولة بعلنية لم تعد ملتبسة. وتجد هذه الاتجاهات قبولًا عند أوساطٍ تُعرف بـ “المرونة”، ورفع شعارات تغليب المصلحة الوطنية على غيرها، واتفاق السوريين مع بعضهم في صفحة جديدة تتجاوز الجرائم التي ارتكبها النظام، وحرب الإبادة، وأهداف الثورة ومبررات قيامها، واستمرارها.

هناك اتجاه ثالث، ما زال متمسكًا بثوابت الثورة وأهدافها، ويرى أن الشعب السوري الثائر ما زال مصرًّا على مواصلة الثورة، والتضحية في سبيل تحقيق الأهداف، وأن المرحلة الحالية هي موجة عابرة، ستتمكن الثورة من استيعابها وتجديد مسارها، وأن التضحيات الجسام لن تذهب هباء، وسيلقى المجرم جزاءه، ولن يكون له أي دور في مستقبل سورية.

في هذا الاتجاه، نجد عدّة آراء، منها من لا يزال مراهنًا على الحل السياسي الذي سيحقق الانتقال، وأن المجتمع الدولي لا بدّ أن يتفق على صيغة ما، لذلك يُبقي الباب مفتوحًا باتساع أمام المفاوضات وجنيف، بينما تعلو دعوات إلى البحث عن بدائل تضع ضمنًا الحل السياسي في موقعه الطبيعي، وإعادة النظر في الخطاب السياسي، من خلال وضع خطة عمل واقعية أساسها التواصل مع الأرض، والانتقال إلى الداخل، والنهوض بالمهام الواجبة مع الأطياف السورية ومجموع الفعاليات والقوى على طريق استنهاض الوطنية السورية، وتوفير ظروف ومقومات استعادة القرار الوطني، والدخول إلى المعادلة الخاصة بسورية، من موقع الفاعل لا الهامشي.

Authors

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق