تحقيقات وتقارير سياسية

من دروس اعتصام حمص

كان اعتصام حمص الذي أصبح واحدًا من أشهر أيقونات الثورة السورية وأجملها، وبخاصة في مرحلتها السلمية، تطورًا عفويًا لموكب تشييع جثامين الشهداء، الذين قضوا جراء عنف النظام وإجرامه، لكن الثورة لم تنجح بإنضاجه؛ إذ لم يُخطط له مسبقًا كما ينبغي له، وبقي من دون تبصر في مجرياته، ولذلك فقد تميّز بكل إيجابيات العفوية النابعة من طيبة الحمصيين وكرمهم وحماستهم ومبادراتهم: (تركيب سريع لأجهزة الصوت، جلب خيم متنوعة، المحافظة على نظافة الساحة وجمع المهملات في أكياس، مراقبة الدخول، وضع حواجز ثنائية في مداخل الساحة، لمنع دخول من يحمل السلاح من الشبيحة والأمن والامتناع عن التخريب، الاكتفاء بنزع صور المجرم الأكبر وكاميرات المراقبة، وتقديم الماء والطعام والشراب والحلوى في الساحة، كما حدث في شارع الحميدية خلال العودة من المقبرة، وهو ما يستحق تفصيلًا خاصًا).

تميّز الاعتصام بسلبيات من أبرزها:

1 – سيطرة المشايخ وأتباعهم على منصة الخطابة/ برج الساعة، وعلى أغلب مجريات الاعتصام.

2 – عدم تنظيم الاستمرارية التي تقررت في الاعتصام المفتوح؛ إذ لم يتم تنظيم ذلك على شكل مناوبات، كي تستمر كثافة المعتصمين في الليل إلى حد ما، يدفع النظام إلى الحذر من مجابهة اعتصام كبير بالآلاف.

3 – كان الطابع الوطني والعام مسيطرًا وسائدًا، مع بروز الوجه الإسلامي، بحكم الأغلبية السنّية في حمص ومشاركتها رجالًا ونساءً. وفشلت بسهولة محاولات توجيه الاعتصام طائفيًا، ففي مثال أول: حاول واحد، أو أكثر، الدعوة للتوجه إلى حي الزهراء عند انتهاء مراسم الدفن، فجوبه بشدة ووضوح، وعند محاولاتهم الرد بالعنف، أُخرسوا وأبعدهم بعض الشباب. وفي مثال ثان: تقبّل جمهور المعتصمين تقدم شاب علوي للخطابة، كما تقبلوا ظهور فتاة غير محجبة للخطابة، وصفقوا طويلًا لهما.

4 – كان دور المشايخ مسيطرًا، وشكّلوا القيادة الرئيسية للاعتصام، وراوحت المبادرات الأخرى بين ضعيفة تحت ستار التعقل والحكمة، وبين شجاعة نتيجة صلابة وتطلعات بعض الشباب. وقد حاول الصنف الأول منذ البداية توجيه الاعتصام إلى جامع خالد؛ فانتُقد ذلك التوجه الذي يحصر حركة الاحتجاج، في طابع ديني طائفي مرتبط بالجوامع، وهو ما أراده النظام دومًا (مثال: منع حراس باب البرج من مشاركة البعض بداية في اجتماع المشايخ داخله، بحجة أنه يقتصر على أهل العلم والرأي).

وقد أوضحتُ عند ذلك أهميةَ الطابع الوطني العام للتوجه إلى ساحة الساعة، مركز المدينة وقلبها، تيمّنًا بساحة التحرير القاهرية، وهو الأمر الذي تغلّب بسهولة، مستجيبًا للنزوع الأساس لاحتجاجات الشباب. ثم تبيّن لاحقًا، وجود تواصل قديم استمر خلال الاعتصام، بين بعض مشايخ الصنف الأول، وبين رجال السلطة والأمن، وقد صلت من خلاله تهديدات السلطة، لكن المشايخ -جملة- لم يحرصوا على مشاورة أحد من خارج دائرتهم حولها، استمرارًا لنهج السلطة نفسه في تواصلها معهم ومع أتباعهم من الحمصيين، سواء أكانوا في المدينة أم في مدن أخرى بعيدة.

بالنتيجة؛ كانت قيادة المشايخ ضعيفة، لانطلاقها من هيبة العمامة وأمجاد الماضي، ومحفوظات النص الديني، وبلاغته بل موسيقاه (إن من البيان لسحرًا)، ولفقدان خبرتها بالثقافة التاريخية والوعي الاجتماعي والسياسي من تكتيك واستراتيجية وغيرها، وكثيرًا ما أدى بها ذلك، أمام سلاحي السلطة الدائمين (القمع والإغراء)، إلى سقوط مريع لبعض شخصياتها (هناك أمثلة شهيرة في حمص)؛ ما يؤكد مجددًا أن على المشايخ أن يكتفوا بالبقاء في الجامع وخدمة الدين فقط، أما خارجه فلهم أن يكونوا مواطنين وحسب، ولهم ما لغيرهم من المواطنين من الحقوق والواجبات، بلا مكانة قيادية خاصة، وبلا زيادة ولا نقصان.

هذه أهم الأفكار التي يمكن استخلاصها من مراجعة اعتصام الساعة وتقويم مساره، وبغض النظر أكانت صحيحة أم خاطئة، إلى هذا الحد أو ذاك، يظلّ ذلك الاعتصام تجربة غنية، لمن يريد أن يهتدي بدروسها، ما دامت أسباب الثورة باقية، وهي ما تزال باقية، بل قد زادت عمقًا وقوة، وستدفع بالتأكيد إلى تجديد الثورة واستمرارها وتحقيق أهدافها، طال الزمن أم قصر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق