قضايا المجتمع

الرقة جارة الفرات يقتلها الظمأ

يعيش سكان الرقة وضعًا إنسانيًا كارثيًا، بعد انقضاء ستة أشهر على انتهاء معركة السيطرة على المدينة، التي خاضها التحالف الدولي، بعون أرضي من جنود أميركيين وفرنسيين وميليشيات كردية، ضد تنظيم (داعش)، بين حزيران/ يونيو، وتشرين الأول/ أكتوبر، من العام 2017.

وقد سُبقت تلك الحملة العسكرية بتهيئة إعلامية يومية، جعلت الرقةَ ومجتمعها مادتها الرئيسة، بدأت عام 2014؛ العام الذي سيطر فيه تنظيم (داعش) على الرقة، وأطلق منها مشروعه التوسعي، وأعلن فيها دولته المزعومة، قبل أن يجعلها “خلافة” مُدعاة أيضًا. في هذه الحملة صُوِّرت الرقة معقلًا للتنظيم المتطرف، وبيئة اجتماعية حاضنة لفكره وممارساته، في تعام وتصام تامّين عن مقاومة أهلها، ومعاناتهم اليومية في ظل التنظيم الإرهابي، لذلك كانت نتائج هذه الحملة تدميرًا شاملًا للمدينة وتهجيرًا لسكانها، من دون أن يثير ذلك ردات فعل جدية مستاءة من هذا العقاب الجماعي، سواء من دول أم من منظمات وهيئات حقوقية وقانونية -ولو على سبيل ذر الرماد في العيون- كما جرت العادة في مناسبات وأماكن أخرى في سورية، شهدت أعمالًا وممارسات مخالفة للقوانين الدولية والقانون الدولي الإنساني.

انتهت المعركة التي دامت نحو أربعة أشهر، بتدمير كل المرافق والمؤسسات العامة والخاصة: المشافي والجسور والمدارس وصوامع الحبوب، إضافة إلى تدمير أكثر من 70 بالمئة من الدور والأملاك الخاصة. لكن موت المدنيين لم يتوقف بتوقف الأعمال القتالية؛ إذ استمرت الألغام الغامضة المنتشرة بكثرة في أطلال المدينة، في حصد أرواح السكان العائدين لتفقد بيوتهم وأملاكهم. كما تلت انتهاءَ المعركة حملةُ تعفيش وسرقات منهجية ومرعية ومنسقة من قِبل الميليشيات الكردية، لم تسلم منها بيوت السكان ولا عيادات الأطباء ولا التمديدات الكهربائية، لتتجه لاحقًا إلى نبش البيوت المهدمة فوق جثث أصحابها، بغية سرقة ما في جيوب القتلى وأعناق وأيادي جثث النساء من نقود وذهب. ولتكتمل عناصر المأساة، أظهر المجلس المحلي الذي شكلته الميليشيا الكردية للمدينة فسادًا منقطع النظير، سواء من حيث ارتهانه لإرادة هذه الميليشيا، أم من حيث دخول أعضائه شركاء في العمليات التي تقوم بها منظمات “إنسانية” في مساعدة السكان، وصولًا إلى جمع تبرعات من سكان المخيمات لمساعدة نازحي عفرين.

وفيما نجح ما يقارب ربع سكان المدينة في العودة إلى المدينة، خلال الأشهر الثلاثة السابقة، ولا سيما أولئك الذين تقع بيوتهم في الجهة الشرقية من المدينة: أحياء “الرميلة” و”المشلب” و”المختلطة”، وبعض الأجزاء من المدينة القديمة (داخل السور)، وكذلك الأحياء الغربية: “السباهية” و”مفرق الجزرة”؛ فإن وسط المدينة، حيث يكاد الدمار يشمله بالكامل، بقي خاليًا من سكانه، في وقت ما تزال فيه فرق البحث تنتشل جثثًا لمدنيين من تحت أنقاض مبانيه المهدمة، يوميًا.

عمق مأساة سكان مدينة الرقة يصل، مع بدء فصل الصيف، إلى هوة سحيقة تجعل وضعها شبيهًا، من حيث نتائجه وآثاره على السكان، بأوضاع مدن وبلدات سورية أخرى تعرضت لحصار النظام، بغية دفع أهلها إلى النزوح أو الاستسلام. فالمدينة تفتقر حتى هذه اللحظة إلى الكهرباء والماء، وغيرها من الخدمات الأساسية الضرورية للحياة. ولذلك يلجأ السكان إلى محركات صغيرة، لتوليد الطاقة لبيوتهم “أمبيرات”، كما يستجرون المياه بالأواني والأوعية البلاستيكية، من مراكز ثابتة تقوم بتكرير مياه النهر، أو من أقنية الري القريبة، أو من صهاريج لبيع المياه تتنقل بين الحارات المأهولة. وفي كلتا الحالين فإن نوعية المياه رديئة إلى درجة أنها تتسبب في التهابات في الأمعاء لمئات الأشخاص، ويُرجح أن يرتفع عدد الإصابات بفعل تلوث المياه، مع ارتفاع درجات الحرارة خلال الأسابيع المقبلة.

حتى تتوضح المفارقة في وضع سكان الرقة، بخصوص افتقارهم إلى أهم عنصرين في استمرار الحياة: الماء والكهرباء، يكفي أن نعرف أن نهر الفرات، أكبر وأغزر أنهار سورية، يجري على بعد مئات الأمتار منها، في حين يقع سد الفرات، أكبر محطة لإنتاج الطاقة الكهربائية في سورية على مبعدة نحو 50 كم منها.

ومن سخرية القدر أن تضطر سيدة إلى إسعاف طفلتها، في وقت متأخر من الليل، بسبب التهاب حاد في الأمعاء أدى إلى فقدان الرضيعة الشهيةَ على تناول الحليب وخسارة 3 كغ من وزنها خلال بضعة أيام؛ فينصحها طبيب من منظمة (أطباء بلا حدود) العاملة في أحد المستوصفات المؤقتة في المدينة، بأن “تقدم لرضيعتها ماء (بقين)”، بعد أن أوضح لها أن المياه التي توزعها المراكز الثابتة والصهاريج المتنقلة “ملوثة، وغير صالحة للشرب”، وأشار عليها أن تُجرب ترشيح بعض هذه المياه “عبر قطعة شاش، لترى عدد وتنوع الجراثيم الموجودة فيها”. بدأت والدة الطفلة الرضيعة تفكر بالعودة إلى الريف، حيث أقامت وأسرتها، طوال فترة معركة السيطرة على الرقة، لأنها ترى أن “الحد الأدنى من مستلزمات المعيشة متوفر في كلتا الحالين، لكن مياه الآبار في الريف أنظف من هذه المياه… و(بقين) التي لا أراها في المحلات القليلة المفتوحة، يُقال إن ثمن اللتر الواحد منها 150 ليرة سورية”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق