أدب وفنون

إسدال الستائر دون عقاب

يفترض الجواب، عن الوجهة التي ينبغي على السوريين أن يهربوا إليها من موت تمطره السماء، أن عليهم الذهاب إلى أي مكان. ليس هذا مجرد خيار في بلد تحول إلى جحيم غير مسبوق؛ بل الاتجاه الجبري الوحيد، لأشخاص ما زالوا يملكون الرغبة في الحياة.

في (وول ستريت جورنال) WSJ، 23 آذار/ مارس الفائت، كتب السوري نور الأقرع: أشعر بالخجل من بعض الأسئلة التي يجب أن أطرحها: كيف حالكم؟ كيف حال الوضع تحت الأرض؟ ماذا يحدث عندما تضرب الصواريخ بالقرب منكم؟ في بعض الأحيان يردّون عليّ بحدّة: هل أنت جادٌ بهذه الأسئلة؟ عندها فقط، كان يخبرهم، أنه من مدينة حمص، من حي بابا عمرو، وهو المكان الأول الذي حاصره نظام بشار الأسد، وقُصف حتى الخضوع سنة 2012.

قضى “نور” اللاجئ، أيامه محاولًا الوصول إلى السوريين المختبئين من الحرب. في الأسابيع الأخيرة، تمكن من الاتصال، هاتفيًا وكتابيًا، مع أشخاص في الغوطة الشرقية بدمشق. إنهم يختبئون في الأقبية والأنفاق، ويجمعون الطعام لأطفالهم الجياع. ينطقون بمشاعر شُجاعة، حتى وهم يسمعون الخوف من ارتجافات أصواتهم. “أعرف الإجابة عن سؤالي الصحفي الخاص بي، حول صوت صاروخ وهو يقترب. إن الصوت الهادر المرعب يجعلك تتساءل إن كانت هذه هي اللحظة التي ستغادر فيها روحك جسدك”.

قبل الغوطة الشرقية، كان وادي بردى، وقبل ذلك حلب، وقبلها العديد من المدن والأحياء المعروفة، جميعها خضعت لقواعد اللعبة ذاتها، التي تقوم على الحصار والقصف: الجوع أو الاستسلام.

لم تنته هذه القصة هنا. فبين شباط/ فبراير ونيسان/ أبريل، عرضت الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، في صالة مسرح (الرينبو) جبل عمان، ثلاثة نماذج/ شهادات أخرى، طرحت تساؤلات، تشكل اليوم جوهر الفاجعة. إن هناك إحساسًا عامًا بالمجهول الذي يشعر به كل سوري، بعد سبع سنوات من القتل الجماعي الممنهج.

في العرض الوثائقي الأول (يوم في حلب) لـ علي الإبراهيم، بقي ذلك اليوم في الذاكرة. فوسط الحصار غیر الإنساني، الخانق، جرّاء ما تفرضه الحكومة، ومن دون أي مخرج، بعد خمسة أشھر من القصف بلا انقطاع، تبدأ مجموعة من الأطفال بالرسم على جدران المدينة، إيماءة احتجاج ومقاومة طفیفة، تجرؤ وتحلم بعودة الحیاة إلى بلد أهلكه إطلاق النار وقذف القنابل. على جانبي الطرقات، تظھر الألوان. تنبعث أضواء صغیرة من الأمل، في أذهان الآلاف من الناس الذين ظلوا محاصرين، يختنقون وسط الأنقاض. لقد بقي أكثر من 280 ألف مدني دون مأوى، يبحثون عن أسباب، للاستمرار ومصادر جديدة للأمل.  تسدل الستارة.. “ما حدث في حلب لن ينسى أبدًا”.

الذين تمكنوا من الفرار من حلب، وحمص، ودرعا، وإدلب، وغيرهم، منذ بداية الحرب، بلغ عددهم نحو تسعة ملايين سوري. نصفهم من الأطفال. تتبع الفيلم الوثائقي الثاني (مولود في سورية) لـ هرنان زين مسيرة سبعة أطفال منهم، مدة عام. كنت تلمح في عيونهم، سلسلة صور متتالية، تعكس خوفهم ومتاعبهم، منذ اللحظة الأولى للهروب. يمتد درب الألم، حتى مخيمات اللجوء المنتشرة في دول الجوار، لكنه لا ينتهي رغم وصولهم إلى أوروبا الأرض الموعودة؛ حيث تبدأ من جديد تجارب إنسانية مختلفة، لها طعم واحد، هو مرارة اللجوء.

ولكن كیف يبدو الأمر عندما يكون المرء في منفى داخل بلد يقع على الحدود مع وطنه؟ يبحث الوثائقي الطويل (قصص سورية) “مدته 100 دقيقة” أنطولوجيا من 11 فيلمًا وثائقيًا قصيرًا عرضته الهيئة الملكية الأردنية، في 2 نيسان/ أبريل، عن جواب لهذا السؤال، عبر رحلة سينمائية، تمتاز بأنها نتاج ورشات عمل، عقدت في بيروت وعمّان وإسطنبول سنة 2017، تحت إشراف المجلس الثقافي البريطاني، و(بدايات) للفنون السمعیة والبصرية، والمعھد الأسكتلندي للأفلام الوثائقیة، وشارك فیها 35 سوريًا ممن يقیمون في هذه الدول.

يمتاز الفيلم بأنه عبارة عن تجارب متنوعة لسوريين شردتهم الحرب. القاسم المشترك بينهم، أنهم تشاركوا العاطفة، والتفاؤل، كما نزف الألم والمعاناة، وهربوا من مناطق معتمة وعمياء، ضجت بوسائل انتهجها الأسد للهيمنة على شعبه، وإقحام حكمه بمسار هو الأكثر دموية في التاريخ البشري.

إنه ألم بلا نهاية، يقول فیلیبو غراندي، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئین، ويتابع: بالنسبة إلى الناجين، جلبت الحرب إليهم مأساة عظيمة، حان الوقت لتنتهي، إن البحث عن حل عسكري لن يفيد أحدًا، والذين يتأذون هم “الشعب، كما هو واضح”.

في مَشاهِد بصرية ناطقة باللغتين العربية والإنكليزية، جرى تصويرها بحرفية عالية الجودة، قُدمت وقائع ذات وجع مستقى من جحيم، ما زالت عزيمة العالم على إطفاء ناره، محطَّ ريبة.

كيف للمرء بعد إسدال الستارة، ألا يطرح المزيد من الأسئلة، حول الجناة، بدلًا من التركيز على تصرفات الضحايا، كما تقول مايا شالافيتز، في تقريرها لصحيفة (الغارديان) البريطانية: لماذا يستمرون في ارتكاب تلك الجرائم؟ مع أنه في كل إبادة، تقع مجزرة بشرية هائلة، وفي كل مجزرة هناك آلاف القصص والحكايا المرعبة، يسمعها العالم، ويشاهد تداعياتها، ويتحسس آلامها، لكن من دون رد.

مقالات ذات صلة

إغلاق