تحقيقات وتقارير سياسية

أبعاد الهجمة على مخيم اليرموك

ما زال مخيم اليرموك والمنطقة المحيطة به، خارجَ سيطرة النظام السوري، على الرغم من كونه منطقة ساقطة عسكريًا، فما هي إلا مسألة وقت حتى يستعيد النظام السيطرة عليه، اليوم أو في المستقبل القريب؛ إذ يقع المخيم اليوم تحت سيطرة قوى أصولية وجهادية، عملت منذ مدة طويلة على تفريغه من جميع الفصائل المسلحة، والناشطين، حتى تحول إلى ساحة خاوية يسهل فيها ممارسة استبدادها وجبروتها، مع العلم أن تجربة المخيم، وتجارب مختلف المدن والبلدات السورية مع القوى الأصولية، تؤكد غياب أي نية لدى تلك القوى في مواجهة النظام، مهما كان الوضع والظرف.

لم يعُد المخيم مصدرًا للخطر على أمن النظام، ومواقع سيطرته داخل العاصمة دمشق، منذ مدة طويلة؛ نتيجة لسيطرة قوات (داعش) عليه، وتنفيذها العديد من عمليات التصفية والاعتقال والتنكيل بحق ناشطي اليرموك والثورة، ومواجهتها وطردها جميع القوى المسلحة التي قد تشكل خطرًا على النظام. وعلى ذلك؛ فقد أضحت التنظيمات الجهادية والأصولية المسيطرة على اليرموك، وعلى رأسها (داعش)، تمثّل خط دفاع أولي عن النظام والعاصمة دمشق؛ حيث إنها تقف عقبة أمام أي محاولة لقوى المعارضة المسلحة تستهدف كسر الحصار القائم، وتحقيق تقدم نحو مناطق النظام.

هذا من أهم الأسباب التي دفعت النظام إلى تأجيل حملته على اليرموك، يضاف إلى ذلك مخاوف النظام من استعادة المخيم فقط، أي دون استعادة كامل المنطقة الجنوبية؛ الأمر الذي يضع قوات النظام المتمركزة داخله، تحت رحمة جبهات جميع المناطق المتاخمة له، مثل يلدا والحجر الأسود وحي العروبة والتضامن. أي أن استعادة المخيم تؤدي إلى تحول النظام، من الاستعداد لأيّ هجوم معارض من جبهة واحدة أو اثنتين، هما مدخل اليرموك الرئيسي وشارع نسرين، إلى جبهات عديدة ومتداخلة، يصعب على أي طرف التكهن بتوقيت الهجوم وموضوعه. كما يصعب على النظام استخدام قدراته العسكرية الجوية والقصف بعيد المدى -عكس الآن- في حال الاشتباك داخل شوارع وحارات المخيم، وفقًا لطبيعة المخيم والمناطق المحيطة العمرانية والجغرافية، التي تحول دون قدرة النظام على استهداف المجموعات المهاجمة دون استهداف قواته ذاتها.

بالتالي، لا تهدف حملة النظام الراهنة إلى السيطرة على المخيم، بقدر ما تهدف إلى السيطرة على كامل الجبهة الجنوبية، وما (داعش) سوى ذريعة إعلامية وسياسية، لتسويق همجية النظام. وهو ما تعكسه خطط النظام العسكرية، حيث يعمل اليوم على (استهداف مجمل المنطقة الجنوبية)، بذريعة مواجهة (داعش) داخل المخيم، كما تنفذ قواته البرية محاولات اقتحام من مداخل المنطقة الجنوبية الأخرى، والأبعد عن المخيم (بينما تغيب أي محاولة لاقتحام المخيم من مداخله المعروفة)؛ ما يشير إلى نية النظام استعادة بلدات الجنوب السورية، قبل استعادة المخيم ذاته.

على ذلك؛ لا تعكس إجرامية وشراسة القصف على المخيم قدراتِ المخيم الدفاعية أو العسكرية، وإنما تهدف إلى تدمير المخيم عن بكرة أبيه، شارعًا شارعًا وحجرًا حجرًا؛ ما يؤدي إلى استحالة عودة سكانه من الفلسطينيين والسوريين إليه، وهو ما يجنب النظام الكثير من حملات الضغط الدولية، عبر (أونروا)، وبعض المنظمات الدولية غير الحكومية، والشعبية والرسمية الفلسطينية، وربما العربية كذلك. حيث يسعى النظام إلى الحؤول دون عودة أي من المدنيين واللاجئين إلى المخيم، لجملة من الأهداف والغايات الدنيئة: أولها غايات المافيا الحاكمة الربحية والنفعية والاستثمارية، المتمثلة في تشييد المشاريع السكنية والتجارية على أنقاض المناطق العشوائية في دمشق ومحيطها، مثل مشروع (باسيليا ستي) الذي أقرته محافظة دمشق مؤخرًا، والذي تخطط المحافظة لبنائه في المنطقة الجنوبية، ومن ضمنها شارع الثلاثين؛ ما يُمثّل بداية للعديد من المشاريع المماثلة، التي تعكس مسارعة المافيا الحاكمة نحو آليات نهب تلائم هذه المرحلة.

يتمحور ثاني أهداف النظام، من منع عودة الفلسطينيين والسوريين إلى المخيم، حول بعض الأسباب الكيدية والأمنية، التي تتمثل في كبح عودة فاعلية المخيم الوطنية والإنسانية والسياسية، التي سببت صداعًا مزمنًا وطويلًا لنظام الاستبداد والإجرام القائم، سواء أكان ذلك تاريخيًا، عبر احتضان المخيم وحاضنته الاجتماعية لأبرز أقطاب المعارضة السورية وخصوصًا العلمانية منها، في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، إضافة إلى دور المخيم في فضح جرائم النظام، بحق الحركة الوطنية الفلسطينية والعربية والمخيمات الفلسطينية داخل لبنان، وخصوصًا في تلّ الزعتر. أم راهنًا، عبر الأدوار التي لعبها المخيم في أعقاب الثورة السورية، إغاثيًا وشعبيًا وسياسيًا ونوعًا ما عسكريًا؛ فقد فشل النظام، منذ سيطرته على سدة الحكم السورية، في التحكم سياسًا بالمخيم وتطويعه، على الرغم من كل الإجرام المرتكب بحقه وبحق سكانه، من الاعتقال إلى الاغتيال، عبر أدوات النظام من بعض الفلسطينيين، وصولًا إلى حصار المخيم، وتبدو الفرصة اليوم سانحة للنظام، كي يتشفى به ويضع حدًا نهائيًا لخروجه عن طاعة النظام.

وأخيرًا، يُمثّل مخيم اليرموك شاهدًا على إجرام الاحتلال الإسرائيلي، وشاهدًا على النكبة الفلسطينية والعربية عام 1948، التي أدت إلى لجوء كثير من الفلسطينيين إلى الدول العربية المجاورة ومنها سورية، فضلًا عن دور المخيم الكبير في رفد حركة التحرر العربية في ذروتها من القرن المنصرم. لذا يمكن اعتبار تدمير المخيم وضرب حاضنته الشعبية وبعثرتها، من قبل النظام، سدادَ دَين، على النظام تنفيذه نظير الصمت الدولي، إن لم نقل نظير دعم الاحتلال والمجتمع الدولي له، في مقابل جميع الجرائم المرتكبة بحق السوريين والفلسطينيين، وبحق الإنسانية جمعاء.

إننا اليوم أمام هجمة إجرامية وممنهجة ومنظمة، تحاول تقويض قِيم الثورتين الفلسطينية والسورية، وتقويض وحدة العمل الفلسطيني والسوري، بالتزامن مع ضرب معاقل الثورة الجنوبية التي تحوّلت، بفعل الحصار والثورة، إلى ساحة فلسطينية وسورية واحدة؛ ما يؤكد تخوف النظام وأنظمة الاستبداد والإجرام والاحتلال المحلية والدولية، من تطور ونضوج أي تجربة ثورية إنسانية، تحمل في مضمونها قيم الحرية والعدالة والمساواة، انطلاقًا من إدراكها حجم التشابك والتعاون والتنسيق، بين جميع القوى المناهضة لحقوق الشعوب القانونية والطبيعية، من (داعش) إلى الاحتلالين الأسدي والإسرائيلي.

مقالات ذات صلة

إغلاق