هموم ثقافية

“مو ناقصنا غير شوية كرامة”

كان الفن -وما يزال- الفضاء الرحب الذي يجد فيه الإنسان متنفّسًا ومستراحًا، يأوي إلى ركنه؛ ليعبّر من خلاله عن أفكاره وطموحاته، ويوصل رسائلَ ترتقي بالمجتمع وتنهض بأخلاقياته وسلوكه، من خلال أعمال محترمة تتناول القضايا الملحّة، وتعبّر عن هموم الإنسان وتطلعاته نحو مستقبل أفضل.

هذا الفضاء في عالمنا العربي كثيرًا ما يكون مقيّدًا بضوابط وخطوط حمراء، تحت مسمّى (الرقابة)، مع أن الأصل في الفن أن يكون بلا حدود وقيود، وهنا يأتي دور الفنان المبدع في إيجاد المسارب التي يستطيع من خلالها الوصولَ بأفكاره ورسالته إلى برّ الأمان، دون أن يصطدم عمله بمقصّ الرقيب الذي يتدخل لإجراء بعض التغييرات، كي يصبح العمل الفني مقبولًا لدى السلطات المختصة ودوائرها المغلقة.

يُفترض بالفنان الحقيقي التمرّد على الظلم والفساد، وأن يدافع عن القيم والمبادئ التي يؤمن بها، وهي كثيرًا ما تتعارض مع السلطة، وهنا ينشأ التصادم بين حيّز السلطة المغلق، وحيّز الفنان الذي ينشد الانفتاح، إلا أن السلطة في بعض الأحيان تفضّل أو تتبنّى مبدأ غضّ النظر عن أعمال فنيّة تخدم مصالحها، بشكل أو بآخر، أو أنها تفعل ذلك لتوهم شعبها أنّها ليست ضدّ حريّة التعبير، وهذا ما نلمحه بوضوح وجلاء لدى الأنظمة القمعيّة العربية، ومنها نظام الأسد.

إن نظامًا قمعيًّا كهذا قد يسمح بوجود معارضة فنية تعمل تحت سقفه، مهمّة هذه المعارضة هي الإيحاء للشعب بأن هناك حيّزًا ومُتنفّسًا للديمقراطية وانتقاد النظام، وهذه المعارضة محصورة بأشخاص تثق بهم السلطة، كمعارضة دريد لحّام المسيّرة من قبل أجهزة المخابرات نفسها.

فالدور الذي يقوم به دريد لحام، منذ عقود، هو حاجة ملحّة لتكتمل ملامح الديكتاتورية، وليس خافيًا أن الدور الذي يقوم به (كوميديو السلطة) يفوق أدوار المنظومات الأمنية والإعلامية، في ترسيخ السلطة الحاكمة، وتلميع صورتها الموغلة في السواد، أمام شعبها والرأي العام العالمي.

أن يصرخ منذ عقود على الملأ: “ناقصنا شوية كرامة”، دون أن يُعتقل أو يرفّ جفن للسلطة، وحين يحاكي الشعب صرخته تلك، يتحوّل إلى ثلّة من المخرّبين المرتبطين بجهات خارجية، تريد أن تنال من صمود هذا النظام المقاوم لإسرائيل، فهذا أكبر دليل على أن فنانًا كهذا ليس إلا بوقًا للسلطة، وأنه كان يمثّل على الشّعب لا لهم، ولم تكن تلك الأدوار التي يقوم بتمثيلها عن الفساد سوى ذرّ لبعض الرماد في الأعين.

أتت الأحداث لتكون كاشفة للأخلاق، والفيصل لتأكيد الأقوال بالأفعال، وفي امتحان كهذا؛ سقطت الكثير من الأقنعة وتكشّفت الحقيقة، فاسم بلاده الذي سيكتبه على الشمس التي لا تغيب، مرتبط بالنظام السوري الذي إن سقط فإنه سيغادر سورية إلى غير رجعة.

ردّة فعل كهذه ربمّا تكون طبيعية وغير مستغربة من قبل وصولي، بدأ مسيرته الفنيّة متسلّقًا على أكتاف صديقه المقرّب (نهاد قلعي)، واستمرّ عبر محمّد الماغوط، قبل أن يغدر بهما وبرفاق الدرب الذين عانى معظمهم الفقر والاضطهاد، وماتوا في ظروف مؤلمة، بينما واصل هو طريقه في الصعود نحو نجوميته المفترضة، لتصدق فيه رؤية الماغوط: (ممثل كبير وإنسان صغير).

يشارك دريد لحام، هذه الأيام، بعد مسيرة حافلة بفضح الفساد والسلطة، في مسرحية يدعو فيها إلى العودة إلى حضن الوطن، ويتّكأ على عكّازات قوامها أعماله الماضية، ليحظى بالقبول من متابعيه، وليوجّه مشاعرهم وفق ما يريده، وما تمليه مصلحته، ولو كان الثمن الاصطفاف في طابور القتلة، والتهليل لهم، فكلّ ما يقومون به مبرر من أجل الحفاظ على دولتهم ونظامهم.

باع كلّ القيم ليشرّع للقاتل جرمه، وضع موهبته تحت الطلب، مقابل مكاسب مؤقتة، غير مكترث بوضع اسمه على قوائم العار، ممن خذلوا تاريخهم ومسيرتهم الفنيّة، من أجل نظام مجرم أوغل في دم شعبه، وسامه صنوف العذاب والإذلال.

أحسب أن شخصًا كهذا لا يليق به وصف الفنان، هو مجرد ممثّل أو مهرّج احترف المشاعر المجانية، يبيع الكذب صباحًا، ويتغنّى بالمقاومة مساءً، يلعق أحذية الكبار، ويتمسّح بالقضايا الكبرى التي كثيرًا ما تكون وسيلة للصغار أمثاله للوصول، فكم صال وجال في ميدان القضية الفلسطينية! أما صراخ أبناء وطنه، ففي أذنيه وقرٌ عن سماعه.

خليقٌ بمن صدّع رؤوسنا بالكرامة منذ نعومة أظفارنا، وباسم بلاده الذي سيكتبه على الشمس التي لا تغيب، أن يكون وفيًّا لرسالته ومبادئه، فيعتزل الفن، أو يلتزم الصّمت على أقلّ تقدير.

مقالات ذات صلة

إغلاق