تحقيقات وتقارير سياسية

الدولة العظمى.. وهم الاقتصاد الريعي

نظريًا، يستطيع الملك الشاب غير المتوج محمد بن سلمان، بإشارة من الولايات المتحدة الأميركية، جعل عويل القيصر العجوز بوتين، المتوج على طريقة الرئاسات العربانية، يصل إلى غرفة نوم ترامب في البيت البيضاوي، وهو يمضي وقتًا ضائعًا مع إحدى مومساته؛ ذلك أن زيادة إنتاج السعودية، من النفط الخام بنحو مليون إلى مليوني برميل يوميًا، يخفض سعر النفط إلى النصف، ويهبط معه الناتج المحلي الروسي بنسبة لا تقل عن 40 بالمئة. ففي عام 2013 بلغ الناتج المحلي الروسي 2230 مليار دولار، ثم انخفض في عام 2016 إلى 1283 مليار دولار، أي أقل من القيمة السوقية لشركتي آبل وأمازون الأميركيتين! وهذا الهبوط المروع هو نتيجة هبوط أسعار النفط؛ ما يعني أن الاقتصاد الروسي لم يتمكن، بعد ربع قرن من تحوله إلى اقتصاد السوق، من تخطي عتبة الاقتصاد الريعي، وهي مدة كانت كافية لنقل الصين والهند وكوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وتركيا ودول أخرى، من دول متخلفة إلى دول صناعية متعولمة، وهي دولٌ لا تمتلك موارد نفطية.

وعمليًا، يعدّ سعر النفط الحالي في ضوء العرض الراهن ليس في مصلحة روسيا (وهذا ينطبق على إيران)، وبمقدور السعودية تحمله، ولو أرادت زيادة إنتاجها ستعوض ما تخسره في السعر مما ستكسبه من زيادة المبيعات، لكن قرارًا كهذا لا تأخذه أميركا بمعزل عن باقي حلفائها النفطيين ومصالحها النفطية، كأكبر منتج ومستهلك للنفط.

في الأسواق العالمية، قلّما توجد صناعات روسية، سوى الأسلحة التي استغل بوتين الحرب السورية ليجرب مختلف صنوفها ويروج لها، في حين البضائع المصنعة الصينية والهندية والكورية والماليزية والتركية تملأ الأسواق، إلى جانب البضائع المصنعة الأوروبية واليابانية والأميركية.

من هنا يتضح أن الاستراتيجية البوتينية لم تخرج قيد أنملة عن استراتيجية الاتحاد السوفيتي، اقتصاد يقوم على الموارد الطبيعية وصناعة السلاح، من منطلق مبني على ذهنية عصبوية (مافيوية)، بأن العظمة تصنعها القوة العسكرية، بينما تجربة روسيا ذاتها -سابقًا ولاحقًا- تثبت بما يقطع الشك باليقين أن العظَمة من دون اقتصاد قوي عصري، يقوم على التصنيع السلعي وإنتاج المعرفة، هي مجرد ذر للرماد في العيون، نتيجتها أكثر من وخيمة، كلما تعولم الاقتصاد واشتدت تنافسية الأسواق العالمية التي لا يدخلها إلا من يمتلك القوة الناعمة (الاقتصاد) لا القوة الغاشمة (القوة العسكرية). لقد استفادت الصين الشيوعية من هذه التجربة، لأنها، بالرغم من قوتها الاقتصادية الثانية عالميًا، وامتلاكها القوة العسكرية والقوة السياسية (حق النقض الڤيتو)، لا تفكر بالعظمنة -كما روسيا البوتينية- حتى لا تقودها إلى حرب باردة أو ساخنة مع أميركا وحلفائها، تخسر فيها كل شيء، مع أن حروبهما الاقتصادية لا تنتهي. وفي الوقت ذاته لها مصلحة عليا تقدمها على أي مصلحة، وهي تفريغ شحنة الانفجار السكاني خارج الصين بطرق اقتصادية، عوضًا من موجات هجرة قسرية يتجنبها الغرب، تنشأ عن عنف سياسي محتمل، في حال تلاعبت أميركا وحلفاؤها بالوضع السياسي الاجتماعي في الصين، الجاثم على برميل بارود الشيوعية وحقوق الإنسان والديمقراطية. إن الصين التي تقف بساق واحدة (الحرية الاقتصادية) على أرضية الاستبداد السياسي لن يدوم حالها وربما سيجرها -آجلًا أم عاجلًا- بركان الاستبداد إلى مركز ثقله. والقيادة الصينية تعي خطورة هذا الوضع، لكنها لا تملك حرية أكبر للإصلاح السياسي، مثلما كان الحال بالنسبة إلى التحول الاقتصادي الرأسمالي، لذلك تتجه أنظارها دائمًا نحو التوسع الاقتصادي، بالمعنى الإمبريالي، في جميع القارات وبخاصة في أميركا وأسيا وأفريقيا. وفي هذا السياق فإن الاقتصاد الروسي الريعي، وروسيا تبني تحالفات سياسية مع الصين، يمثل قطعة جبن دسمة يسيل لعاب الفأر الصيني عليها، موارد طبيعية غنية تعجز ريعية الاقتصاد الروسي عن استثمارها اقتصاديًا مع عجز في الموارد البشرية، نتيجة هبوط معدلات النمو السكاني، ونزوح سكان المناطق النائية الغنية بالموارد الطبيعية (الجزء الآسيوي من روسيا) إلى المدن في الجزء الأوروبي، وهو الجزء الذي استحوذ على القسط الأعظم من التنمية الريعية، الصناعية والريفية والمدينية، منذ ثورة أكتوبر البلشفية.

إن الصين لم تتوان للحظة عن تقديم الطلبات لاستئجار أراض روسية في سيبيريا الغنية لمدد طويلة، من أجل استثمارها وتطويرها اقتصاديًا، وروسيا التي ضيقت على نفسها الخيارات ربما ستضطر إلى الموافقة على هذه الطلبات، وبالتالي من غير المستبعد أن تستحوذ الصين مستقبلًا على الجزء الأكبر من سيبيريا الروسية. هذا التوجه ليس من وحي الخيال إنما بدأ يحصل على أرض الواقع، حيث هنالك حاليًا حاجة ماسة للصين إلى تشغيل فائض مواردها البشرية في إعمار سيبيريا الخالية، في ضوء ضعف القدرة الاستثمارية وعجز الموارد البشرية الروسية، ونزوح سكان سيبيريا الأصليين إلى المدن الصناعية المتمركزة في القسم الأوروبي. ومن الطبيعي، عندما يتجاوز عدد الصينيين في سيبيريا عدد الروس، أن تعمل الدولة الصينية على قضم الأراضي، وإذا أصبحت القوة الأغنى هناك؛ فستصبح روسيا الآسيوية منطقة جذب لمواطني الدول المحيطة بها ملحقة كلها بالصين القوية اقتصاديًا. عندئذ؛ لا أحد يتوقع ما هو الجيوبليتيك الذي ستكون عليه روسيا الاتحادية آنذاك، ولا طبيعة علاقتها مع الصين، ولا مدى قبول الصين لعب دور ثانوي في حلف تقوده روسيا!

إن من غير الصحيح تفسير هذا التوجه بتكامل القوتين في مواجهة الغرب، في إطار نظرية عودة الثنائية القطبية، إنما من قبيل الغباء الاستراتيجي أن تتكأ دولة ريعية، تطمح إلى أن تكون عظمى، على دولة أخرى صناعية، لكنها تقف بساق واحدة على أرضية استبداد مشتركة ما لم تتغير هذه الأرضية، ولكن عندئذ سيكون كل من الصين وروسيا في عداد قطبية أحادية، تقودها أميركا أو ربما دولة ديمقراطية عظمى غيرها. وفي هذه الحالة تكون الفرصة متاحة لروسيا، كما للصين، لأن تلعبا دورًا مهمًا في الجيوبليتيك العالمي.

في المقابل، وفق الذهنية الروسية، تستطيع دولة ريعية صغيرة مثل قطر، أو متوسطة مثل السعودية، أو كبيرة مثل فنزويلا أو إيران، امتلاك قوة عسكرية ذات تدمير شامل، لكنها لا يمكن أن تصبح دولة عظمى، تضع خطوطًا حمراء وخضراء وصفراء إلا بضوء أخضر من البيت الأبيض، طالما أنّ الولايات المتحدة الأميركية الدولة العظمى الوحيدة التي تقود النظام العالمي. إنه لمن سخافات التاريخ أن يولّى نظام أحمق على شعب ذكي وراق وعريق، ومن سخريات الشعوب أن تخضع لهذه السخافات ردحًا طويلًا من الزمن، دون أن تنتفض من أجل تغيير نمط حياتها وسيرورة تاريخها.

إن الدولة، أي دولة، مهما كانت غنية بالموارد الطبيعية، إذا كانت فلسفتها تقوم على صرف مواردها على قوة عسكرية تحرك اقتصادًا يحميها، عوضًا من صرفها في اقتصاد يحرك القوة العسكرية التي تحميه؛ فما هي، في نهاية المطاف، إلا دولة فاشلة بالمعنى الفلسفي لا يمكن أن يكون طموحها إلى بلوغ العظمة عالميًا سوى وهم من أوهام الاقتصاد الريعي.

مقالات ذات صلة

إغلاق