تحقيقات وتقارير سياسية

دهاقنة الجبهة وكهنة البعث.. السياسة على خطوط النار

يحاول نظام الأسد إحياء ديماغوجية الجبهة الوطنية التقدمية “المؤسسة الحزبية الوحيدة في البلاد”، بعد غياب دامَ تسع سنوات، ومَنْح سورية مظهر الدولة المستقرة السائرة على طريق التعافي والسلام، مع أنه يدرك تمامًا أن المؤسسة التي مضى على تأسيسها أكثر من أربعة عقود (وهي تضم تسعة أحزاب يقودها حزب البعث الحاكم)، “بهدف مشاركة الشعب شؤونه وقضاياه” –كما يقول ميثاقها- قد فشلت فشلًا ذريعًا، ليس على صعيد احتواء ومعالجة أزمات الداخل، منذ ثمانينيات القرن الماضي فحسب، بل على مستوى العمل الحزبي والتنظيمي؛ حيث عجزت عن تأسيس حامل شعبي لأفكارها، وبقيت أحزابها أشبه بمؤسسات عائلية صغيرة، تهيمن عليها سياسات أقرب إلى عوالم التجارة والاقتصاد. كما يدرك أن الجغرافيا السعيدة التي يروج لها لم تعُد، بعد أن اقتطعت القوات الأميركية والروسية وقوى محلية وإقليمية أخرى أجزاءً منها، تمثّل ذلك البلد الذي كان يحكمه قبل عام 2011، أو البلد الذي كان في يوم ما محطة مزدهرة على طريق الحرير القديم، على أقل تقدير.

شكلًا؛ لم يفلح الأسد مع كبار مسؤولي نظامه، في خلق ذاكرة سياسية جديدة، تبرر معركته، بالرغم من أن الفكرة الأساسية التي كانت تقف وراء انعقاد المؤتمر العام العاشر للجبهة، يومي 18- 19 نيسان/ أبريل الجاري، هي تطبيع السياسة تحت مظلة الحرب، والتأسيس لحوار مدني، ينشط على إيقاع العنف وقرقعة القوة. أما مضمونًا؛ فمن الواضح أن الديكتاتور المهزوم أخلاقيًا يجتهد لكي يستعيد حضوره الشعبي، ويتخطى مرحلة الحرب، ليحتفظ قدر المستطاع بالسلطة، ويفلت -إذا أمكن- من العقاب، مستعينًا بدهاقنة الجبهة وكهنة البعث، في رسم بروباغندا إعلامية، تبشر بمرحلة مفترضة، يستهدف فيها آخر ما تبقى من حوامل الثورة وبيئتها الحاضنة.

على بعد كيلو مترات قليلة من مجمع صحارى السياحي، المكان الذي انعقد فيه المؤتمر، كانت ثمة ضربات صاروخية مدمرة، يتلقاها سكان مخيم اليرموك وناحية الحجر الأسود، والقسم الشرقي من حي القدم وجنوب حي التضامن، بهدف إخضاعهم، وتأمين العاصمة ومحيطها بشكل نهائي، عشية إغلاق ملف المعارضة المسلحة في مدن وبلدات الغوطة الشرقية. ومع أن صدى الانفجارات العميقة الآتي من الجنوب كان يلامس أسماع معظم الحضور، فإنه لم يكن بينهم، مَن يجرؤ أن يتساءل علنًا -على سبيل المثال- عن عدد المدنيين الذين سقطوا قتلى بقنابل الأسد، منذ بداية الحرب، أو الذين سيسقطون مجددًا. فعلى خطوط النار القريبة من تخوم العاصمة، يشارك العشرات من عناصر أحزاب الجبهة، إلى جانب جيش النظام، في القتال ضد تشكيلات المعارضة، دون ضجيج.

إن تأسيس قوات رديفة من الاتحاد الاشتراكي العربي، للقتال إلى جانب الأسد، ليس سرًا، كما يقول صفوان قدسي، ويضيف: “كنا حاضرين عسكريًا في جبھات عدیدة، وقضى شھداء من حزبنا، وأصیب آخرون”. ولم يخفِ الرفيق عمار بكداش (ابن الزعيم التاريخي للحزب الشيوعي السوري) مشاركته: “لقد قمنا بزج كل من نعرفه من أعضاء حزبنا، في صفوف الجيش العربي السوري، ولنا شھداء وجرحى قاموا بواجبھم، وهناك زملاء لهم یواصلون المسیرة”.

في الواقع، لا تختلف نظرة القوميين والاشتراكيين والوحدويين والناصريين، إلى رياح التغيير التي هبت لإسقاط الديكتاتور وحكم العائلة، عن نظرة البعث المهيمن؛ فهم يقفون على مسافة واحدة من خصم مشترك. كما أنهم ينظرون بسوية واحدة إلى ما يجري، ويفسرونه -كعادتهم- وفق خلفية عقائدية مضللة، تراه مجرد “صراع بين القوى التقدمية اليسارية، والقوى الظلامية”. وعليهم خوض معركة، يصفها زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي، بـ “المصيرية”.

لقد سبق أن اختصر فايز إسماعيل (أحد كهنة البعث والجبهة الوطنية التقدمية في آن معًا) طبيعةَ الصراع، بعبارة شهيرة قال فيها: “كنا صفوفًا، فأصبحنا صفًا واحدًا، خطًا واحدًا، مسيرة واحدة، خصومنا هم خصوم الجميع، يعني ليس ثمة خصوم لطرف من أطرافنا”.

يكشف النظر إلى مسائل الاختلاف السياسي، على هذا النحو الذي يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان ومفهوم المجتمع المدني، صورةً نمطيةً حافَظ القوميون واليساريون عليها، طوال فترة حكم الأسدين الأب والابن. كما يكشف طبيعة الجبهة كمنتج سلطوي منغلق على نفسه، وأدائها المستبد، ضد مكونات سياسية وطنية أخرى، حاربتها سرًا، ونفَت وجودها بالمطلق علنًا. يقول صفوان قدسي: “أنا لا أرى أن هناك قوى فاعلة ومؤثرة موجودة على أرض الواقع، في الحياة السياسية السورية، غير القوى الموجودة حاليًا في الجبهة الوطنية التقدمية”.

في أوقات السلم، لم تتوان الجبهة عن اصطفافها إلى جانب سياسات الأسد، حتى في الشأن الاقتصادي؛ فقد انقلبت على اشتراكيتها التاريخية، ووافقت على نهج اقتصاد السوق، لصالح نخبة سلطوية، كانت تبحث عن الإثراء وسط فوضى الاقتصاد. وفي زمن الحرب، قاتلت أحزاب الجبهة إلى جانب قوات الأسد، وشاركت في المجازر التي ارتكبتها بحق الشعب، وعلى الرغم من فداحة الكارثة، فقد وقفت في مؤتمرها الأخير ضد إرادة التغيير، وجددت التزامها القاطع والنهائي، بقيادته، على اعتباره -وفق النص- “الضمانة الوطنية، والرئيس الشرعي للبلاد، وهو بذاته، بشخصه وبمقام منصبه، حامي الدستور، والقائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، ورئيس الجبهة، وممثّل إرادة السوريين الشرفاء”.

إن الكيان الذي كثيرًا ما وصف “سخرية” بالاكتشاف المبكر، الذي قدمه الأسد الأب، إلى العمل السياسي في سورية، لم يكن غير مؤسسة أداة، لم تخرج عن كونها مكونًا دعائيًا، جرى استخدامه طوال العقود الأربعة الماضية، لنفي احتكار البعث للسلطة، والتأكيد على تعددية حزبية، لم يكن يؤمن بوجودها سوى حمقى السياسة والإعلام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق