قضايا المجتمع

سيول دمشق بين المعارضة والموالاة

أظهر العرب عامة والسوريون خاصةً إبداعًا غريبًا، في تطويع الظواهر الطبيعية وفقًا لانتماءاتهم السياسية أو الدينية، وأحيانًا الرياضية والفنية، فمع كل كارثة طبيعية؛ نجد الكثير من التحليلات والتنبؤات التي يؤكد أصحابها صحة مواقفهم وانتمائهم، لتبدأ الحروب الإلكترونية الطاحنة التي تؤدي إلى خسائر في المواقع والحسابات الشخصية.

قبل يومين، تعرضت مدينة دمشق لعاصفة مطرية، أدت إلى سيول جارفة أوقعت خسائر في الممتلكات؛ فكانت نظرة السوريين إلى الأمر متباينة، وفق الانتماء السياسي بين الموالاة والمعارضة.

أبو جعفر الجبلي، وفي نظرة ثاقبة إلى الموضوع، ورؤية عجز عنها علماء الطبيعة والفلك، رأى في ذلك دعمًا من السماء لموقف “المقاومة والممانعة”، فقال: “إن نعمة المطر اليوم تؤكد -بالدليل القاطع- كيف أن السماء تغسل مدينة دمشق من آثار الإرهاب الذي تعرضت له منذ سبعة أعوام. فقد كان ذلك فرحًا من السماء بالنصر العظيم. وأتوقع عاصفة أخرى، بعد أن يتم النصر المؤزر على الإرهابيين جنوب دمشق”.

هذا الرأي دعمه العامل في مخبر التحليل الجنائي بمدينة دمشق (شليمون المقاوم)، إذ قال: “نعم، كنت أقف في منطقة ركن الدين، وأراقب ما يجري عن كثب، وبعد الحصول على عيّنات من مياه السيول، ونقلها إلى المخبر الجنائي؛ تبيّن أن في كل متر مكعب من المياه الجارية هناك ما يعادل 145 ميكرون من مخلفات الإرهاب، وإن استمرت الأمطار على هذه الحال 24 ساعة؛ أتوقع أن يرتفع العدد إلى 325.5 ميكرون، في المتر المكعب الواحد”.

من جهة أخرى، على الضفة السورية الثانية، كان هناك رأي مغاير لما حدث على الضفة الأولى، حيث رأى بعض الناشطين السوريين في تلك العاصفة انتقامًا إلهيًا وعقابًا ربّانيًا من القتلة والمجرمين. قال الناشط هلال: “الحمد لله، كم كنت فرحًا ومسرورًا، وأنا أشاهد السوزوكيات وهي تتهاوى أمام مياه السيل الجارف! وأحسست بالنشوة والثأر لكل من ظُلِموا، وأتمنى أن تزيد نسبة الأمطار فوق المعدّل السنوي حتى لا تبقى سوزوكي واحدة في كل دمشق”.

أما الناشط المعارض (أبو حنظلة)، فرأى في العاصفة غضبًا من الله “على قوم ظَلموا وتجبّروا”، كما حصل في قصة النبي نوح فقال: “نعم إنه غضب رباني، ولنا العبرة في قصة سيدنا نوح عليه السلام، ومن قال إن عصر المعجزات قد ولّى؛ فهو واهم، انظروا إلى سيارات السوزوكي كيف أصبحت أثرًا بعد عين”.

تحتدم حدة الصراع الفيسبوكي والتويتري بين المتصارعين، بينما ما يزال المهجّرون من غوطة دمشق يبحثون عن مأوى يؤوي عائلاتهم، ولقمة يسدون بها رمق أطفالهم، وفي الجهة الأخرى يعمل البسطاء في عشوائيات دمشق الفقيرة على إحصاء خسائرهم، نتيجة تلك السيول التي أخذت منهم ما يملكون، دون أن يخسر القتلة والمجرمون شيئًا في قلاعهم وحصونهم التي شيدوها على جماجم الأبرياء.

مقالات ذات صلة

إغلاق