كلمة جيرون

خبث الاستبداد وترويض الثقافة

مَن أخطرُ على الأنظمة القمعية: الكتاب أم الكاتب؟ سؤال قد يبدو ركيكًا، لكنه مع ذلك أثار اهتمام المجرم الأكبر في التاريخ: أدولف هتلر الذي أجاب عنه بالقول: “الكتب أشد خطرًا من مؤلفيها”! وهو صادق بالفعل، لأن قوله يتناسب مع بلد يحترم الكتاب، وشعب يعدّ القراءة ركنًا أساسًا في حياته. لكن الأمر مختلف تمامًا في بلدٍ “شبه أمي”، يرزح تحت حكم استبداد متخلف، لا يعطي أي أهمية لا للكِتاب ولا للكاتب!

لا يكاد يترك النظام الشمولي هامشــًا، يســتطيع المثقف مــن خلالــه أن يتنفس ويعيــش، ومن الظلم أن نطالب المثقف -والحال هذي- بكتابة الكتب والتعبير عــن نفســه والتفاعل مــع مجتمعــه! فهــل يملــك المثقــف حيلة أمام نظام خبيث يغلق الدائرة -من كل الجهات- على المثقفين، ويسمح لهم، بدهاء شيطاني، أن ينشروا ما يشاؤون من الكتب؟ وما الضير في نشرها! إذا كان الناس لا يقرؤون، وإذا كان نشرها لا يؤثر على النظام. وهو يحوّل الكتبَ –فوق ذلك- إلى أيقونات وأوسمة على صدره، تثبت للعالم الحرّ أنه متسامح ووديع وصــدره واســع وعريض، وأن نظامــه منفتــح وديمقراطــي!

النظام السوري يتبجح بإنجازات وزيرته نجاح العطار التي سمحت بنشر دواوين كثيرة من الشعر، ولم تسمح بإقامــة أمســية شــعرية واحدة لمعارض، أو إلقاء قصيدة لسكران، في مقهى أو سهرة خاصة! ووصل بها الخبث، أحيانًا، إلى درجة أنها سمحت بإعطاء رخصة لتصوير فيلم، ولم تستطع الحصول على موافقة أمنية لعرضه جماهيريًا! كما ســمحت بنــشر الكتب الفكــرية والفلسفية، لكنها لم تســمح قط بمحــاضرة أو مناظرة حولها! تستطيع أن تنشر ما تشاء من القصص والروايات والمسرحيــات، ووزارة الثقافة مستعدة لمساعدتك، لكــنك لا تملك الحق بتجســيدها عــلى خشــبة المــسرح، أو تحويلهــا إلى مسلســل درامــي أو برنامــج فكري أو فيلــم ســينمائي.

إن نسبة الذين يجيدون القراءة أصلًا، تُطمئن النظــام ولا تخيــفه أو تؤثر فيه، وهو يعرف ذلك جيدًا، ويســتفيد منــه بحذاقة، ويعــرف -أيضـًـا- أن نســبة الذيــن يرغبون في أن يــروا ويطلعــوا ويجربــوا ويتفاعلــوا مع الأنشــطة الإبداعية، نسبة كبيـرة جــدًا، لذلك يمنعها الرقيب ويجرّم الأمن أصحابها، والمشاركين فيها. فإذا كانت الأمّية متفشية، وكان عدد الذين يقرؤون قلة، وإذا كان أفضــل الكتــب رواجــًا لا يُطبــع منه أكــثر مــن خمسمئة إلى ألــف نســخة، فــإن عــدد مشــاهدي التلفزيون قــد يصــل إلى مئــات الألــوف، وربمــا مئــات الملاييــن (هنا تكمن اللعبة الثقافية)، حتى لو كانت أنشطة الإبداع للتســلية وقتل الفراغ، فإن نظام الخــوف يخــاف منهــا ويمنعهــا، لأنــه هــو مــن يقــرّر حتى نــوع التســلية. فلماذا يخافون من الكتب!؟

إنهم يُغرقــون البــلاد بالكتب والكتاب التافهــين، والمسلســلات والأفــلام الســاذجة، المســتوردة والمحليــة، والتــي يؤلفهــا أزلام الســلطة وزبائنها، ويحوّلون المراكــز الثقافيــة إلى منابــر لخطبهــم واحتفالاتهــم ومناســباتهم التــي لا تنتهــي، وهي بدورها مراكز مليئة بالمجلدات، وقد بنوهــا بكــثرة وعنايــة، في كل المحافظــات والمــدن السورية.

وهم بذلك يقــومون -عمليًا- بتعطيل واغتيال الوظيفة الأساسية للثقافة، ومنــع لقــاء المثقــف أو المبــدع مــع الجماهير، الركن الأساس في العمليــة الإبداعيــة والثقافيــة، والذي لا يحق لأحــد أن ينافس السلطة عليــه! ويجــب أن يكــون ويبقــى ملــكًا لها! وهــي بذلــك تمنــع وجــود منبر مســتقل، غير منبرهــا، وصــوت آخر غيـر صوتهــا، وأنشطة خارج الأنشطة التي تراها مناسبة. فاللقاء بين المثقف والناس ممنوع لديهــا، ونمــو التفكــر والتحليــل والحــوار والتفاعــل، الــذي تطرحــه الثقافة، كمتنفــس، أو بديــل ديمقراطــي، ترفضــه ســلطات الاســتبداد، ولا تســمح بــه، وتعاقــب بشــدة مــن يخالــف ذلك.

فمَن هو الأشدُّ خطرًا على أنظمة الطغيان، أيها الفوهرر: الكاتب أم الكتاب؟ المغني أم الأغنية؟ الشاعر أم القصيدة؟ المفكر أم الفكرة؟ لقد منحَنا تاريخنا البائس أنظمةً، هي أشد خبثًا وخطرًا من نظامك النازي، في ترويض الثقافة والمثقفين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق