تحقيقات وتقارير سياسية

الساقطون من فضاءات مخيم اليرموك

تدمير مخيم اليرموك، وتهجير من بقي فيه من أبنائه، بعد آلاف الضحايا من شبابه ونسائه وأطفاله، وبعد أن أصبح أكثر سكانه خارجه في المنافي القريبة والبعيدة، في المحيط العربي كما في البلدان الأوروبية، هو من مآثر الطغاة المتشدقين بالمقاومة والممانعة والتحرير. ومن دون خجل، وبنقص هائل في الضمير الإنساني والشرف الوطني و”القومي”، بل قُل في غياب ذلك الضمير نهائيًا عندهم، وبخاصة أولئك الذين يقال عنهم “أبناء جلدة” فلسطينيي اليرموك، وانعدام أدنى المشاعر في التضامن الإنساني مع الضحايا؛ يعلو صوتهم بالفرح، ويهللون “لسقوط مخيم اليرموك”، وتسمية ذلك بالانتصار ضد “المؤامرة الإمبريالية الصهيونية الخليجية التركية العالمية” التي أعدّت لإسقاط نظام الطاغية.

لن يسقط اليرموك. لقد تمّ تدميره نعم، وأزهقت أرواح الآلاف من أبنائه، وأُعدم المئات منهم في أقبية سادتكم، وغيِّب العشرات وبقوا مجهولي المصير، ودخلت جحافلكم لتدنس ترابه نعم.. وقمتم بتدنيس أرضه وتسميم هوائه نعم.. ورحّلتم وطردتم الأربعة أو خمسة آلاف من أبنائه العزَّل نعم.. ونهبتم الغالي والرخيص بكل تأكيد، غير أنكم لا تعلمون معنى السقوط، وأنّ الذي سقط من فضاء اليرموك هو أنتم، وقد تهتكت كل الأقنعة عن وجوهكم، نعم ومليون نعم.

أنتم لا تعرفون معنى اليرموك وتاريخه وقيمته.. كلكم وجميعكم؛ ابتداء من “يسارييكم” المنتمين إلى أحزاب شيوعية ومنظمات ماركسية، وشيوعية قديمة وجديدة، كلكم كنتم تتشدقون بمصالح العمال والفقراء والمضطهدين، إلا أنكم تجهلون وتنكرون أن المخيم كان خزانًا للعمال والحرفيين الذين من عرق جباههم شيدت عمارات دمشق التي ترتعون فيها اليوم مع أسيادكم. وتتبرؤون من أنبل المناضلين اليساريين الثوريين الحقيقيين، من خيرة أبناء اليرموك، الذين ركبتم على ظهورهم للوصول إلى مقاعدكم في أروقة الطغاة، وهي أروقة جانبية وهامشية، تجاور مراحيض وحمامات قصور سادتكم، تلك القصور التي تأخذون الرخصة من قاطنيها الطغاة، لتتمكنوا من الاحتفال بعيد العمال أو لإصدار بيان بالمناسبة. وتتنكرون لليرموك الذي فتح صدره للمناضلين اليساريين العرب المطاردين من أنظمتهم، وهؤلاء لم يجدوا أمنهم واطمئنانهم وسلامتهم واحتضانهم، كما أعطاهم إياها أبناء اليرموك.

أما أنتم -المتشدقين بالقضية القومية، وقد تحولت في خطاباتكم إلى مسخرة شوفينية ولغو فارغ وارتماء بأحضان الطغاة الذين يملؤون الفضاء صراخًا وزعيقًا عن العروبة والوحدة- فإنكم تجهلون بل تنكرون أن أبناء اليرموك كانوا يقتطعون ليرات قليلة من دخلهم، ليتبرعوا بها للشعب الجزائري إبان معركة التحرير، وكم طعنهم عدد من “نخب” الجزائر، وهم يتلقون حمم الموت والدمار من تحالف الفاشست والطغيان. وتتناسون أيضًا أن أبناء اليرموك انتموا بعفويتهم إلى كل خطوة لوحدة العرب، كما هو انحيازهم إلى تجربة مصر وسورية 1958، على قصورها ونواقصها التي أودت بها إلى الفشل، وكانت أمنياتهم الصادقة بوحدة تعيش وتتقدم وتتطور وتتسع. وفاتكم أن أبناء اليرموك هم من هبَّ شبابهم للدفاع عن لبنان، إبان نزول المارينز الأميركي عام 1958، لترسيخ حلف بغداد سيئ الصيت والذكر.

أما أنتم، يا فلسطينيي الزعبرة والبهرجة، ومنكم من يدعي نفسه مرجعية وممثلًا “شرعيًا لفلسطين”، في أراضي 1948 كما في الضفة وغزة، وأقصد ذلك النفر، وهو ليس بقليل، الذي اغتال اليرموك بمواقفه تحت ذريعة “مركزية القضية الفلسطينية”، وبادعاء أن ثورة السوريين للحرية تبعد الاهتمام بفلسطين، وتؤخر تحقيق “الأهداف الوطنية الفلسطينية”، بل وصلت بكم الوقاحة إلى اعتبار ثورة السوريين للحرية خطرًا على “حلف الممانعة والمقاومة”، فقد كنت أتمنى منكم للحظة “زلة من ضمائركم”، تقول ما يجب أن يقال، وأوله أن الشعب السوري هو أكثر الشعوب العربية احتضانًا للفلسطينيين يوم نكبتهم 1948، وأن أبناءه هم من قدّم قوافل من الشهداء الذين انخرطوا في الكفاح المسلح وفصائل المقاومة، كما قدمت نساؤه الحلي لتدعم الفصائل المقاتلة. لقد خنتم فلسطين مرتين: مرة بموقفكم الجبان من ثورة السوريين، وما تعرضوا له من وحشية على يد تحالف الطغيان الفاشي الطائفي المافيوي، ومرة أخرى بابتهاجكم لموت أبناء اليرموك، وتدمير منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم.

اليرموك، يا من تدعون الانتماء إلى “النضال الوطني”، هو من قدّم خيرة شبابه في أولى عمليات الاستطلاع للأرض المحتلة، وكانوا منخرطين في كتيبة الفدائيين، قبل ظهور فصائل المقاومة 1965، ومع انطلاق الكفاح المسلح هبَّ أبناؤه للانخراط بأقصى سرعة في العمل الفدائي، وواصلوا مسيرة الانتماء، وقدّموا مئات الشهداء في سبيل مقاومة العدو الصهيوني، وفي الدفاع عن حركتهم الوطنية من بطش الأنظمة، قدموا الكثير وتعرضوا لأخطار شتى، وكانت سلطة الأسد الأب الأشدَّ خطرًا على الوجود الفلسطيني في لبنان، كما هي تفتك اليوم بأبناء مخيم اليرموك، لتديم استبدادها على سورية ومن فيها.

اليرموك، يا فلسطينيي العار، هو مرقد الشهداء ومنهم أنبل القادة.. اليرموك هو من احتفظ بالوفاء لمدن فلسطين وقراها، فأطلق على شوارعه وحاراته أسماء مدن وقرى الجليل، وأسماء شهداء الثورات التي فجرها الفلسطينيون قبل النكبة، وشهداء عرب دافعوا عن بلادهم عبر التاريخ الحديث.

“زلة ضمير” للحظة لم تقعوا بها، ولن تقعوا؛ ذلك أن إنسانيتكم مستلبة للطغاة، ولا بقايا من ضمير في نفوسكم، ليقع في زلة في أخطر اللحظات التي يتعرض فيها جزء نبيل من “شعبكم” للإبادة والتهجير. هكذا هم الأنذال عديمو الإنسانية والوفاء، تتناسون أن اليرموك احتضنكم، منذ أن وطئت أقدامكم أرض سورية، مجسدًا انتماءه إلى قضية فلسطين التي تدّعون حرصكم عليها. والأبشع من ذلك أنكم تقدّمون “عرفان جميلكم” في هذا الاحتضان لنظام القتل، الذي لم يقدم لكم سوى التردد المتواصل على مقارّ التحقيق الاستخباراتية، باعتباركم جواسيس حتى تثبت براءتكم، وبراءتكم بنظره الانخراط في شبكاته الأمنية، وتنفيذ ما يطلب منكم من أعمال إجرامية، أقلها كتابة التقارير بأبناء شعبكم ورفاقكم.

عار عليكم، يا “شعراء البراميل والكيمياوي”، أن تطعنوا بأبناء اليرموك من كل الجهات، في الظهر والبطن والوجه والرأس. وأكبر عار أن ترددوا مصطلح “سقوط اليرموك” واجتياح اليرموك. سيحتل الطغاة اليرموك، غير أن السقوط أمرٌ آخر بعيد من اليرموك. السقوط هو لبقايا شرف وكرامة، كان لدينا أملٌ بوجودها لديكم.

نعم، السقوط ليس لليرموك، إذا احتلّه الطغاة، بعد تدميره وقتل سكانه وتهجير من يبقى حيًا منهم، الذي سقط في اليرموك هو وجوهكم ومواقفكم، فلم يعد لكم في فضائه من أثر، لأنه ينبذكم جميعًا:

“أدعياء اليسارية والتقدم، ومقنعي الوطنية الغيورة، ومريدي القومجية الفاشية، ومعكم وإلى جانبكم (داعش) التي استخدمتموها فزاعة وذريعة، كسيدكم الطاغية القاتل”. اليرموك ليس مجرد إسمنت وحجر، اليرموك هو الإنسان، سيلملم جراحه بقوة إرادة أبنائه، وبتصعيد انتمائه إلى خندق الحرية، جنبًا إلى جنب مع كل الشعوب المكافحة في سبيلها، ولا سيّما السوريين صناع أعظم ثورة في العصر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق