هموم ثقافية

باب الحرب وبواباتها

تعْبُر الحرب إلى البلاد من أضيق الأبواب، لا تأبه إن كانت بواباتها مقفلةً، ولا تنتظرها لكي تُفتح، ستخترع طريقها حين يُؤذن لها. حين ذاك لن تبقى تلك البوابات مقفلة حتى وقتٍ طويلٍ، سرعان ما ستصبح مشرعة للداخلين إلى ساحاتها ولأسلحتهم، وسيتخذون لهم بوابات لم نكن نعرفها، كما سيتركون خلفهم، إن رحلوا، أبوابًا مخلَّعةً، وبوابات منازل لا تؤدي إلى مكان، واقفةً هكذا وسط الدمار، بعد أن رحل أهلها وتركوا بصماتهم وأنفاسهم، وربما قبلاتهم على حوافّها. وحين تزول ستبقى صورها، أو صور بقاياها، الصور التي ستخبرنا أن ثمة أناسًا كانوا هنا، وكانت لهم بيوت وللبيوت بواباتٌ، لم يبقَ منهم جميعًا غير الصور.

تأتيك صورة البوابة الواقفة، بين الركام والأنقاض، لتأسرك وتبقيك عاجزًا عن التفكير أو الاستيعاب، صورة من صور الحرب السورية ومفاعيلها. تقف وحدها هكذا، بعد أن انفضَّ عنها أهلها والجيران وعابرو الطريق، بل بعد أن تداعت الجدران حولها والسقف والشبابيك كلها، وتركوها وحيدةً، تأتيها الريح من كل الاتجاهات، ويبلل المطر أطرافها. لا يعبرها أصحاب البيت ولا الزائرون ولا حتى أصحاب الحاجة. لا يسندها الأطفال، ولا يستندون إليها وهم يراقبون الخارج والمارة، ولا يختبؤون خلفها حين يمر غريبٌ أو تتعالى الأصوات والمشاجرات في الشارع. لم تعد تستمع إلى أخطر أسرار الحي التي تؤجلها الجارة إلى لحظة التوديع، إنها هناك وحدها، ربما سئمت وحدتها، أو صمدت وبقيت منتصبة لكيلا يضيِّع أصحاب البيت معالمه.

تأسرك الصورة، لكنها سرعان ما تجعلك تتساءل، هل بَقِيَت البوابة هناك لأنها تعرف كل قصص الحرب، وتريد أن تحكي لنا أسرارها التي غفل عنها الجميع؟ ربما هذا هو الأمر، ولكن كيف سنستطيع أن نصغي لقصصها متحملين كل الآلام التي ستفرغها على مسامعنا؟ وإن انتهت الحرب، هل ستبقيها الجرافات واقفةً على هذه الشاكلة، تحتفظ بكل تلك الأسرار؟ ألن يزيلوها لتبني شركاتهم المنازل فوق ركام المنازل وتبيعها لأصحابها، أو لمن يدفع أكثر، إن عجز أصحابها عن الدفع، كما يفعل التجار في كل الحروب، فتضيع معها القصص؟ لا بأس، فكل الحروب متشابهة، تتغير الوجوه وتتغير الأسماء والأماكن، لكن الموتى هم أنفسهم وكذلك المعذَّبون، ضحاياها الذين لن يذكرهم أحد، بعد أن تمضي وينقشع غبارها عن الفقراء الذين لن يتاح لهم وقتٌ للتذكُّر، وكذلك عن الأعمال المربحة والصفقات. سيهدمونها لأن الحرب فتحت لهم بوابات أكبر منها وأوسع. وهي لا تعرفهم، لم يمروا من تحتها، ولا من أمامها، ولا يعرفهم أحد من أبناء حيِّها ولا الأحياء المجاورة، ولا حتى أحياء المدن الأخرى. وهم لا يعرفونها، ولا يعرفون ما تكتنزه من ذاكرةٍ، ولا من صور من كان يعبرها ليؤوي إلى دفء الداخل، فكيف سيبقونها؟

في الحرب، يكثر الأعداء، فإن عرفتَ عدوك، كما أوصى الفيلسوف الصيني صن تشو، فلن يكون ذلك كافيًا لأن تنتصر، فأنت تجهل نفسك وفي ذلك هزيمتك. حروب الفقراء والإخوة حروبٌ لا تندلع إن لم يكن يجهل فيها الجميعُ الجميعَ، لذلك بشَّرهم صن تشو، في كتابه (فن الحرب)، بأن معاركهم كلها ستكون هزائمًا. وفي حروب الفقراء والإخوة، يكثر الغرباء والمتدخلون، ومنهم من لا يعرف إلى أي الصدور يجب أن يطلق رصاصاته. وقد لا يعرف المستصرخون أسيبقى منجدوهم كذلك أم ينقلبون. وعندما تنتهي الحرب سيكون هؤلاء خاسرون وأولئك -أيضًا- سيكونون. لكن سيكون هنالك من يربح، دائمًا هنالك رابح في الحرب، لكنه يبقى في البعيد، يراقب الجميع، يعين المغلوب ويعين الغالب أيضًا، يطيل الحرب كما يشاء، وربما عكس ما يشاء المتحاربون، هو يعرف غايته من هذه الحرب، وهو ما يجهله المتحاربون، هو يعرف كيف يوجِّه المتحاربين، لكن أولئك من دونه ضائعون، إن تلك الحرب صناعته، وهي “رئته الحديدية” التي يتنفس منها، هكذا وصَّفها الفيلسوف فريدريك أنجلز، وذلك ليس سرًّا، لكنه أمر لا يعرفه المتحاربون، ولا يوقفون حربهم، إن عرفوه.

إن ذهبتَ إلى الحرب لا يعني ذلك أنك قويٌّ، وليس كافيًا أن تكون قويًا لكي تذهب إلى الحرب. لا يخوض الحرب سوى الضعفاء والمتأزمون، هي سبيلهم للخروج من أزماتهم، فعلوا ذلك عبر الزمن، وما زالوا يفعلون. وقد يجرجر الضعفاءُ الأقوياءَ إلى الحرب، يفتحون لهم بابًا إليها، ينيرون لهم طريقها، يعطونهم الزاد والماء ووعودًا بأيامٍ من عسلٍ ولبنٍ وانتصارات. لكن الأقوياء سيخرّون في الحروب، يبحثون عن باب ليخرجوا منه، ليحفظوا ما بقي من جهد في جسدهم، لكن الأبواب تبقى من دونهم موصدة، لم ينتهِ دورهم بعد، فللحرب جولات أخرى عليهم خوضها. وحين تنتهي الحرب، ستبقي لهم تلك البوابات المشرعة للريح، البوابات التي يأتونها من اللا مكان والتي تؤدي إلى اللا مكان.

* * *

مقالات ذات صلة

إغلاق