أدب وفنون

العتمة

1

مصطبة درج، شقة على يمين المصطبة، وشقة على يسارها، باب الشقة اليمنى مفتوح، صوت سيارة إسعاف تقترب ثم تقف، تظهر ثلاث مسعفات صاعدات الدرج نحو المصطبة، تحمل إحداهن نقّالة، يدخلن إلى الشقة اليمنى، تظهر الجارة وزوجها على باب بيتهما في الشقة المقابلة، تخرج المسعفات حاملات الأم الغائبة عن الوعي، على النقالة، يتبعهما الأب حاملًا ابنته التي لم تتجاوز السابعة. ثمة بقعة وردية على خدها تشبه أثر صفعة، يعطي الأبُ الابنة للجارة، وينزل قافزًا الدرجات، ثم يعود، يغلق باب الشقة، وينزل قافزًا مرة أخرى، لاحقًا بالمسعفات والأم. تدخل الجارة وزوجها إلى منزلهما. يغلقان الباب. في صالون المنزل، وبعد أن تُنزِل الجارةُ الطفلةَ من بين يديها، تنتبه إلى الأثر الوردي الذي يشبه الصفعة. تنظر الجارة بلطف إلى الطفلة وتسألها:

الجارة: ليش خدك أحمر حبيبتي؟

الطفلة: مانو أحمر.

الجارة: قولي حبيبتي لا تخافي، البابا ضربك؟

ترفع الطفلة رأسها نافية بطريقة تكاد تؤكد أن البابا ضربها.

الجارة: الله يكسر إيدو اللي بمد إيدو عليكي.

تنتظر الجارة أن تتفاعل الطفلة معها، لكن الطفلة لا تفعل.

الجارة: طيب شو صار مع الماما؟ ضربها كمان؟

ترفع الطفلة رأسها نافية مرة أخرى.

الجارة: لكان شو صار؟ قولي خالتو لا تخافي.

الطفلة: (وهي تنظر إلى الأرض بارتباك وخجل) البابا سألني شو بدي صير بس إكبر (تبدأ الفتاة ببكاء مكبوت) قلتلو بس إكبر بدي صير مثقفة، قامت ماما غابت عن الوعي، وبابا ضربني كف.

الجارة: الله يقصف عمرك، حدا بيحكي هيك مع أهلو؟! لسانك بدو فرم. فوتي لجوا فوتي.

(عتمة… صوت سيارة إسعاف)

2

الأول: شايف مثقف شي مرة بحياتك؟

الثاني: (وهو “يصلح” فحم رأس الأركيلة) لا والله، حاكم أنا بحياتي مو طالع برات البلد.

الأول: مو طالع برات البلد؟! عم إسألك عن سور الصين؟ مثقف يعني متل اللي بيطلعوا عالتلفزيون بيحكوا وبقولوا.

الثاني: آآآآآآ! لا والله الحمد الله، ولا مرة صدفت هيك شي.

(صمت، صوت الأركيلة تقرقر)

الثاني: ليش عم تسأل؟

الأول: والله اليوم الصبح، صدفت واحد عند الخضرجي.

الثاني: أعوذ بالله من هالحكي.

الأول: إيه والله، بالأول ما كان مبيّن عليه أخو الشليتة. صباح الخير صباح النور، كلمة من هون كلمة من هون، وإذ بيسألني: بتعرف شي نجار شاطر خرج أعمل مكتبة عندو؟

الثاني: (ينتفض بدنه) العمى العمى، سألك إذا بتعرف؟

الأول: والله أنا سمعت كلمة بتعرف من هون، واسودت الدنيا بوجهي من هون، كيف صرت بالبيت ما بعرف.

الثاني: ولك لا بقى تقولها، العمى اللي ضربك إنت التاني.

الأول: أستغفر الله العظيم، يا أخي اللي شايف مثقف عن حق وحقيق مو متل اللي إجريه بالمي.

الثاني: شد حيلك، أزمة وبتمرّ.

(صمت، صوت قرقرة الأركيلة)

الثاني: قال شايف مثقف قال، الله لا يوفقك على هالإستفقادة.

(عتمة، لا نرى إلا وهج فحم الأركيلة الأحمر ولا نسمع إلا صوت قرقرتها)

3

في الأعلى صورة للرئيس. في الأسفل دكتور مادة الثقافة القومية وخلفه السبورة، في الأسفل أكثر، جمع من الطلاب الجالسين بانتظام كمفاتيح لوحة الكمبيوتر، إلا طالبًا واحدًا، وقف قبل قليل ليجيب عن سؤال الدكتور:

من هو المثقف؟

الطالب الواقف: والله ما بعرف دكتور، ما مرق عليي هيك شي، بس أكيد مو حلاق الحارة أبو لؤي، هاد دائمًا بشوفو عم يحلق ولا مرة شفتو عم يثقف.

الدكتور: إيه قعود تضرب بهالكسم.

الطالبة المجتهدة ترفع يدها، يشير إليها الدكتور بالوقوف، فتقف وتجيب كآلة حاسبة.

الطالبة المجتهدة: دكتور المثقف متل ما بقول البابا هو الذي يعرف شيء عن كل شيء، وكل شيء عن شيء.

يبتسم الدكتور ويكاد يصفق فرحًا باجتهاد الطالبة المجتهدة واجتهاد والدها، لكن صوت الطالب الحزين يقتحم الفرح العارم الذي ملأ فضاء القاعة بعد الإجابة الصحيحة للطالبة المجتهدة.

الطالب الحزين: مو صحيح دكتور، ما في إنسان ممكن يعرف كل شي عن شي، أو يعرف شي عن كل شي، لإنو نحنا كبشر لسا ما منعرف كل شي أصلًا. بس يمكن المثقف (والمثقفة) هو الإنسان اللي بيقدر يوظف معرفتو وخبرتو بالحياة، شو ما كانت وقد ما كانت، بيوظفها لتصير حياتو وحياة الآخرين أفضل، بالتالي أكيد الحلاق بحارة زميلي ممكن يكون مثقف، في حين اللي بيعرف كل شي عن شي، ممكن يكون مجرد عارف وليس مثقف. أو هو صاحب دور متل ما بقول إدوار سعيد: دور المثقف أن يكون دائمًا شوكة في خاصرة السلطة، أي سلطة وكل سلطة. بالتالي كل…

الدكتور: (يقلد الطالب الحزين) المشقف هو بع بع بع بع؟ جاي عالجامعة تتفزلك ولا جاية تستعرض يا إبني يا حمار؟! انقلع طلاع لبرا. (يقلد الطالب الذي يلملم أشياءه ويخرج) شوكة بخاصرة السلطة… تضرب بهالكسم متل كسم الشوكة… لا والله متل كسم الخاصرة.

يخرج الطالب، يغلق باب القاعة ويسير بخطى حزينة في ممر الجامعة الفارغ الطويل الذي ينتهي بعتمة صماء، فيما نسمع صوت الطلاب من داخل القاعة وهم يرددون وراء دكتورهم.

صوت القاعة: المثقف هو الذي يعرف كل شيء عن شيء، وشيئًا عن كل شيء، حلاق حارة زميلنا ليس مثقفًا، أما دكتورنا فهو مثقف.

أثناء ذلك يدخل الطالب في عتمة الممر الصماء وندخل معه… عتمة تامة.

مقالات ذات صلة

إغلاق