تحقيقات وتقارير سياسية

زمار ترامب الذي لا يطرب

لم تطلب الولايات المتحدة من الحكومة المغربية تسليمَها محمد زمار المتهم بعلاقته بأحداث 11 أيلول/ سبتمبر، بعد أن أبلغتها بوجوب اعتقاله عند وصوله الرباط، في زيارة كانت تهدف إلى إتمام إجراءات طلاقه من زوجته الثانية، لكن واشنطن أوعزت إليها بتسليمه إلى النظام السوري، الذي حكم عليه عام 2007 بعقوبة الإعدام، بتهمة انتمائه إلى الإخوان المسلمين.

محمد زمار الألماني من أصول حلبية هو الآن معتقل في شمال شرق سورية، كما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، وهو -بحسب البنتاغون- من بين آلاف “السوريين” الذين تحتجزهم (قوات سورية الديمقراطية/ قسد) ومن بينهم مئات الأجانب، إلا أن الصيد الثمين لهذه القوات -كما ألمحت- هو (زمار) الذي انضم إلى تنظيم (داعش)، بعد أن تم إطلاق سراحه من سجن صيدنايا، بموجب تبادل أسرى بين أحد الفصائل العسكرية وبين النظام، عام 2014.

صلة زمار بأحداث 11 أيلول هي أمرٌ أول ما يعني الأميركيين، كما حال ارتباطه بـ (داعش) بُعيد إطلاق النظام سراحه، وفي حين قال البنتاغون إنه يعمل مع (قوات سورية الديمقراطية) للحصول على تفاصيل أخرى عن الزمار الذي شجع المنفذ الرئيسي لهجمات 11 سبتمبر/ أيلول: محمد عطا، وأعضاء آخرين في “خلية هامبورغ”، على المشاركة في الجهاد المسلح، وأقنعهم بالذهاب إلى أفغانستان، لحضور معسكر تدريبي لتنظيم القاعدة، بحسب ما ذكر تقرير للجنة هجمات 11 الأميركية الذي أضاف أن الزمار هو “إسلامي مفوه ونشط”، أشاد بـ “الجهاد المسلح”، ونال استحسانًا داخل خلية هامبورغ؛ لتأثيره على رمزي بن الشيبة المتهم بنقل أموال لمنفذي هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، ومن أبرزهم وليد الشهري ووائل الشهري وسطام السقامي وآخرون، ومعظمهم يحملون الجنسية السعودية التي استند إليها الكونغرس باستصدار (قانون جاستا) الذي يتيح للمواطنين الأميركيين مقاضاة الحكومة السعودية لمسؤوليتها عن تلك الهجمات.

لكن (جاستا) الذي صدر في نهاية إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، لم يتم تفعيله حتى الآن، وربما تمّ إبطال العمل به؛ بتأثير على الأقل من الأمير محمد ولي العهد السعودي الذي زار واشنطن مؤخرًا، وأعلن الرئيس ترامب بالتزامن مع تواجده فيها وجوب تمويل القوات الأميركية المتواجدة في شرق الفرات؛ إذا رغبت السعودية في بقائها في المنطقة الشرقية التي كان زارها الوزير المقرب منه ثامر السبهان، بُعيد تحريرها من قبضة (داعش) برفقة بريت ماكغورك مبعوث الولايات المتحدة للتحالف في الحرب على (داعش)، وهذا الخيار الأول الذي وضعته الولايات المتحدة أمام السعودية.

أما الخيار الثاني فهو التلويح بسحب قواتها؛ ما يعني تدفق الإيرانيين وميليشياتهم إلى المنطقة، وهو ما رفضته السعودية على لسان الأمير محمد. في حين طرحت خيارًا ثالثًا، وهو إرسال قوات عربية أو إسلامية إلى المنطقة الشرقية، تعمل بقيادة أميركية، وقد اتفق عمليًا على تشكيلها بالأساس، خلال زيارة ترامب إلى السعودية، تحت مسمى “التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب”. مع قدر مناسب من تمويل إعادة إعمار المنطقة؛ ما يعني إضفاء نوع من الشرعية على استمرار التواجد الأميركي في المنطقة والإمساك أكثر بخيوط اللعبة الإقليمية بتوظيف العقائدي الإسلامي سياسيًا.

العقائدي الإسلامي مستمر في أن يكون بديلًا للأيديولوجي الشيوعي الذي انتهى مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وباتت محاربته التي بدأت بُعيد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى إدارة ترامب، ودخلت في مرحلة جديدة تعنيه فيها المصالح الأميركية، لكن لا يمكن المقارنة بين العقائدي الإسلامي وبين الأيديولوجي الشيوعي، إلا في إطار خلق عدوٍ تُبنى على محاربته مصالح المؤسسات والشركات الكبرى، المتمثلة بشخص ترامب اليميني المتطرف، الذي يوصف بالانعزال والمناورة، في إطار عقد الصفقات المالية.

ربما كان محمد زمار قد أزاح بعض الشيء -بحكم أصوله السورية- ما ترغب إدارة ترامب في أن تظهره، بعدم حصرية السعودية في هجمات 11 أيلول، لكن من جانب آخر قد يكون الحديث عن توقيفه هو في إطار إغراءات تقدّمها واشنطن للرياض، لكي توافق على إرسال قوات عربية، وتمويل خطتها في شمال شرق سورية، إضافة إلى إغراء آخر تحدثت عنه شبكة (سي إن إن)، وهو تقديم مكافأة لها بمنحها صفة “حليف رئيس خارج الناتو”، كما “إسرائيل” والأردن وكوريا الجنوبية.

التوظيف السياسي لقضية زمار يدلل عليه المكان الذي عثر فيه عليه؛ فيظهر الرجل مهمًا، ويُسلط الضوء عليه بأنه الأب الروحي أو على الأقل أحد أعضاء “خلية هامبورغ”، وليس الأمر متعلقًا بالحرب التي تشنها الولايات المتحدة على تنظيم (داعش)، بقدر ما هو ارتباط أحد رموز هذا التنظيم، بأحداث برجي التجارة العالمي، بحيث باتت منطقة شرق الفرات التي اعتُقل فيها زمار مجالًا حيويًا، يتعلق بالأمن القومي الأميركي.

وفي حين استشعر النظام والروس والإيرانيون فراغًا، قد ألمح الأميركيون إلى حدوثه في المنطقة الشرقية في إطار ترهيب القوى العربية من خطر إيران، وهو ما دفع ميليشيات الأخيرة إلى محاولة عبور نهر الفرات والاشتباك مع (قوات سورية الديمقراطية) في شباط/ فبراير الماضي؛ واستتبع ذلك إعلان “الحشد الشعبي” العراقي المرتبط بإيران بدخول مناطق حدودية لمحاربة (داعش)، كل ذلك عنى بشكل قاطع أن الأميركيين مستعدون، في إطار التحالف ضد (داعش)، لمواجهة أي تقدم في تلك المنطقة الغنية بالنفط، واستمرارهم في الاستحواذ عليها، ومن جانب آخر ربما كان ذلك رسالة تدلل على سقوط خيارهم المتعلق بالانسحاب من المنطقة وعدم جديته وحصره في إطار المناورة.

وفيما بدا أن الصراع الأميركي الروسي بلغ ذروته في سورية، بعد الضربة الثلاثية التي وجهت إلى مواقع النظام؛ أشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى تنسيق عسكري استبق الضربة، وقال إن الجنرالات من الجانبين اتفقوا على وضع خطوط حمراء، لم يتم تجاوزها خلال الضربة، فيما أعلنت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا أن بشار الأسد هو رجل الغرب أكثر مما هو رجل موسكو، في إشارة إلى تذمرها من تحميل الغرب لها وحدها مسؤولية جرائم النظام.

غير أن الإيرانيين دفعوا بالطيران العراقي إلى قصف مناطق في سورية، بالتنسيق مع النظام، بذريعة محاربة (داعش)، وهذا يندرج في إطار الدفع بأوراق إيرانية جديدة، في منطقة شمال شرق سورية التي وضعت على صفيح ساخن، إقليميًا ودوليًا، ومرشحة لاختزال مسألة التوازن بين قطبين إسلاميين في المنطقة: السنّة بقيادة السعودية، والشيعة بزعامة إيرانية، كما تروج القوى الكبرى، حيث تمّ في وقت سابق تفعيل التسمية بإعلان “دولة إسلامية في العراق والشام”، بالتزامن مع زهو تظاهرات سلمية ديمقراطية، انطلقت خصوصًا في مناطق السنّة في العراق، بعد عامين على انطلاقة مثيلتها في سورية.

التوظيف السياسي للإسلام السياسي المتشدد استخدمه النظام كذلك، كما الأميركيين، ولطالما استخدم النظام بشكل كبير “الجوكر” السنّي بعد اعتداءات أيلول/ سبتمبر، حيث ظهرت بوادر الغزو الأميركي للعراق، وكان رأي بشار الأسد في ذلك الحين أن ما يروج له الرئيس جورج بوش من ضرورة “تغيير النظام” في العراق، يُعدّ خطرًا يهدد نظامه، ولذلك قرر المراهنة على المتشددين، وكان يريد تحذير الأميركيين بذلك. والرسالة كانت واضحة: أيّ تهديد غربي لنظامه يقابله إرسال إرهابيين، لقتل جنودهم في العراق، وبالتالي إزعاجهم سياسيًا في المنطقة.

نظام الأسد استخدم المتشددين على نحو منهجي، في ردة فعل على التظاهرات السلمية في عام 2011، وعندما اشتدت المواجهة بين المتظاهرين والنظام؛ عمل الأسد على إطلاق سراح جزء من الجهاديين من داخل سجونه، ومن بين هؤلاء محمد زمار، والتخطيط هو أنهم سينضمون إلى حركة الاحتجاج أو تشكيل مجموعات معارضة مستقلة. وبهذا الشكل كان بإمكانه وصف المعارضة، بأنها حركة إرهابية، بعد توظيفه الانتماء الديني بعناية كأداة قمع.

في حلب، ظهر محمد حيدر زمار في فيديو نشره تنظيم (داعش) جالسًا تحت راية (داعش)، مستمعًا إلى الدعوات للقتال ضد المعارضة السورية، وإلى جانبه بندقية هجومية من طراز AK، وعلى الرغم من أن انضمام زمار إلى (داعش) لم يُعلَن خلال هذا الاجتماع؛ بدا أنه التحق بالتنظيم الإرهابي. بل إنه أعرب عن أسفه، بعد بضعة أشهر، مما أسماه “خيانة” (أحرار الشام)، وهي الجماعة التي حررته من سجن الأسد.

سيتضح الدور الذي لعبه محمد زمار داخل (داعش)، علمًا أن خلفيته السورية واتصالاته الشخصية مع أسامة بن لادن سابقًا وخلية هامبورغ، كان من الممكن أن تؤهله ليتقدم صفوف القيادة العليا لـ (داعش)، ولعل هذا ما ستحتفظ به تحقيقات (قوات سورية الديمقراطية) التي ستجريها معه، لكنه سيبقى لغزًا لتعاون من أجل المصالح بين الولايات المتحدة وقوى محلية وأنظمة إقليمية.

مقالات ذات صلة

إغلاق