مقالات الرأي

استراتيجيات دولية وغياب العربية منها

تستهدف روسيا إعادة التموضع عالميًا، وتخوض صراعات متعددة الأشكال، باستثناء العسكرية منها، ضد أميركا، وتحاول إعادة محيطها الأوراسي إلى سيطرتها كاملًا، كما كان الوضع في المرحلة السوفيتية. أميركا الغارقة بأزماتٍ مالية واقتصادية كبرى، لديها خطر حقيقي يتمثل في القوة الصينية المتصاعدة، ولهذا تنقل استراتيجيتها لمواجهتها. مشكلة أميركا في أزمتها الاقتصادية، و”يبتز” ترامب العالم بدفع الأموال المترتبة عليه للتخفيف منها؛ فعلى الدول الأوروبية أن ترفع من ميزانية الأموال المخصصة عليها للحلف الأطلسي، وعلى الدول الخليجية شراء الأسلحة الأميركية بسخاءٍ كبيرٍ، وتعزيز الصلات التجارية مع أميركا، ومن ضمن سياسات ترامب، إنهاء الاتفاقيات المشتركة مع دول عديدة كمنظمة التجارة العالمية، وإنشاء اتفاقيات ثنائية بما يُسهل لأميركا فرض شروطها على الدول، وابتزازها باسم مواجهة التنين الصيني أو المشاريع الإيرانية الطائفية في الدول العربية، وهناك إعادة المعامل من دول كثيرة إلى الداخل الأميركي. أميركا هذه، بالرغم من كل أزماتها، لم تترك الساحة السورية للروس، وكررت مرتين متتاليتين أنها تستطيع تحجيم روسيا، وظهر ذلك أثناء تسليم الكيمياوي 2013، وعبر الضربة الأخيرة؛ ما فعلته أميركا يوضح قوتها إزاء الروس، ولكنه يوضح كذلك أن الأميركان يتلاعبون بالمنطقة وفقًا لاستراتيجيةٍ مدروسة (لا كما يشاع أن أميركا فاقدة لها) تفيد بإدخال المنطقة في حروبٍ دينية وطائفية وقومية، ودفعِ روسيا وإيران وتركيا ودول الخليج إلى الاستنجاد بها، لإيقاف المآسي التي ستحصل. أميركا تخطّط لذلك، ولنلاحظ ما فعلته حينما أرادت رسم خطوط واضحة ويُمنع تجاوزها. ما ذكرته أعلاه هو مثال، وكذلك الضربة الأميركية لجنود شركة (فاغنر) الروسية، قبل عدة أشهر في ريف دير الزور.

تستغلُّ إيران أزمة السلطة العربية التي لا تعترف للشعوب بأية حقوق، وتعمل جاهدة على تطييفها ونهب ثروات بلادها، وهذا أقصى طموح لاستراتيجياتها، وتتخذ منها مرجعية لسياساتها العامة. إيران هذه، بعد تدهورها العام، بسبب حربها مع العراق والفساد المتصاعد في سلطتها والنهب الشديد والاحتجاجات المستمرة فيها، تتخذ التمدّد في الخارج وسيلة لتصدير أزماتها، ولكنها أيضًا تستفيد من الاستراتيجية الأميركية في التلاعب بالمنطقة عبر مد نفوذها، أقصد أن أميركا تراقب المنطقة جيدًا، وإيران تتورط خارجيًا باسم الطائفية والقوة، لتفرض أقصى الشروط لصالحها حينما يحين موعد التسويات؛ فهي تحاول التموضع في اليمن وسورية، بعد العراق ولبنان، وتحاول ذلك في دول الخليج، وعدا محاولاتها السابقة تمدُّ نفوذها في أفريقيا وسواها. أوروبا “العجوز”، وكذلك اليابان، ليست لها مطامح دولية مستقلة عن أميركا، وهي لا تستطيع مواجهة الصين أو روسيا عسكريًا، وإن كانت اقتصاديًا قادرة على ذلك، ولكن ذلك يتطلب حماية عسكرية وهي المتوفرة لدى الأميركان؛ نقصد هنا أن الدول الرئيسية عالميًا والمسيطرة هي أميركا وروسيا والصين، أما بقية الدول العظمى فتدور في فلك هذه الاستراتيجيات بالتحديد.

بخصوص سورية، هناك تضارب بالاستراتيجيات بين الروس والأميركان بالتحديد، ولكنها لن تصل إلى العسكرية؛ الضربة الثلاثية الأخيرة حدّدت بشكل صارم ذلك، وأن يعلن قادة روس أنها ضد بوتين نفسه، فهذا يتضمن موقفًا واضحًا بأن كل السياسة الروسية في سورية وتحالفاتها مع تركيا وإيران يمكن للأميركان أن يشطبوها، لو رغبوا!

هناك مستجدات على الساحة السورية؛ فالضربات الإسرائيلية الأخيرة لمطارات الشعيرات والتيفور والضمير، والتي فيها تواجد إيراني كبير، لم توافق عليها روسيا؛ وهناك تغييرات كبرى في القيادة الأميركية وهي تتصاعد ضد إيران، وتترافق مع تهديدات أميركية بإنهاء الملف النووي أو الموافقة على إعادة التفاوض بشأنه، وبشأن التواجد الإيراني في المنطقة العربية، وكذلك بخصوص البرنامج الباليستي. التطور يضع التحالف الإيراني الروسي على طاولة المباعدة بينهما، وكذلك يُعلي من شأن التصعيد ضد إيران. ولو أضفنا إلى كل ذلك الرفض الإسرائيلي المستمر للتواجد الإيراني في سورية، فإن هناك تغيرات يجب التمعن فيها جيدًا.

لنلاحظ التصريحات الأخيرة للروس، فهم غير واثقين من استمرارية وحدة سورية، والسؤال هنا: كيف تتساوى التأكيدات الروسية المستمرة عن وحدة سورية واحتمال التقسيم الآن؟ لا يمكن فهم التصريحات هذه إلا في ضوء التصعيد الأميركي والإسرائيلي، واضطرار إيران في المستقبل للانسحاب من سورية بسبب ذلك، وبالتالي ستكون روسيا مضطرة إلى الاكتفاء بـ “سورية المفيدة”، فروسيا تعتمد بريًا على القوات الإيرانية وقوات محدودة من بقايا الجيش السوري. هنا يمكن الاستطراد بأن إصرار الروس على حسم معركة الغوطة وتهجير مقاتليها، ربما يصبّ في التخفيف من الضغط الذي بمقدوره إضعاف روسيا، في حال اختيار أميركا لسياسة تصعيدية ضد إيران، وبالتالي تريد روسيا رسم حدودٍ واضحةٍ ليست ضمن حصة أميركا، والتفاوض لاحقًا معها على كيفية إدارة الشؤون السورية.

فشلت خلوة السويد لمجلس الأمن الخاصة بسورية، وهذا يعني فشل أي جلسة جديدة لجنيف؛ إذًا حجم الخلاف الروسي الأميركي، بخصوص سورية وقضايا الخلاف بينهما، ما زال كبيرًا، وفكرة التقسيم الروسية تؤشر نحو ذلك. الاستراتيجية التركية منضبطة وفقًا للسياسات الروسية أو الأميركية، أي أن تركيا لا تتبنى استراتيجية معادية لأميركا، وتتوافق مع روسيا من ناحية أخرى، ويوضع ذلك إعلان تركيا تأييدها للضربة الثلاثية مؤخرًا، ومحاولات كل من الدولتين تدوير الزوايا، للوصول إلى توافقات بخصوص الوضع السوري والعراقي خاصة.

مشاريع أن تحلّ قوات عربية مكان قوات (قسد) في شمال وشرق سورية، أو أن يستلم “جيش الإسلام” الرقة، كما يشاع مؤخرًا، لا تغيّر من الاستراتيجية الأميركية في التصعيد ضد إيران، وسيتطلب ذلك رفع التنسيق الأميركي الإسرائيلي لمواجهة كافة المخاطر الممكنة، وهذا سيكون ضمن تحالفات خليجية إسرائيلية أميركية، كما تطرح في الإعلام منذ عدة سنوات.

القضية الأخطر على العرب هي في غياب استراتيجية عربية، ورفض الأنظمة لأهداف الثورات العربية، وعدم الاستفادة من أهدافها تلك الثورات حتى بعد قمعها وتشويهها؛ المنطقة العربية تتعرض لإعادة تقسيم بين الدول الاستعمارية عبر التدخل المباشر أو غير المباشر.

الأنظمة العربية الناهبة والاحتلالات المتعددة الأشكال، وذات الاستراتيجيات العالمية، ستعمل من أجل المزيد من إخضاع الشعوب لها، وتصنيع أنظمة أكثر قمعية وشمولية ونهبًا، وبالتالي إن أسباب الثورات العربية ما زالت قائمةً، وأصبحت هناك عوامل أخرى لها. وما يزيد الأمر سوءًا أن الثورات نفسها لم تكن تمتلك تلك الاستراتيجية، وما زالت كل التنظيرات لأسباب فشلها بعيدة من وضع استراتيجية وطنية، حينما تندلع الثورات مجددًا، وستندلع!

مقالات ذات صلة

إغلاق