مقالات الرأي

الطغاة المهرجون

خلال القرن الماضي، ارتبطت صورة الحاكم في العالم، بكاريزما قيادية عابسة ومرعبة، استبداد في واجهته شخصيات حاكمة تعتد بهيبتها المؤسسة على الرهبة، وأنظمة تحكم بالحديد والنار، تنشغل بسجونها وأدوات ضبطها للسلطة أكثر من أي قضية أخرى تتخذها شعارًا، أوروبا هتلر وموسوليني وفرانكو، وثورة البروليتاريا، تحت إدارة ستالين وورثته (خروتشوف/ بريجنيف)، التي حولت جغرافية خُمس مساحة العالم إلى سجن بائس لا رحمة فيه، ضحاياه عشرات الملايين، وفي معظم الدول الاشتراكية من كوبا كاسترو، إلى ألمانيا أريش هونيكر الشرقية، إلى ألبانيا أنور خوجا، إلى تشاوتشيسكو رومانيا، إلى الصين تحت الظل الثقيل لماو تسي تونغ، والبلدان العربية تحت حكم الانقلابات المتتالية، منذ انقلاب عبد الناصر وعبد الكريم قاسم وحسني الزعيم وغيرهم، مرورًا ببورقيبة والقذافي وحافظ الأسد وصدام حسين وبومدين وعلي عبدالله صالح وزين العابدين بن علي، ومعظم حكام أميركا اللاتينية كخورخي فيديلا في الأرجنتين وبينوشيه في تشيلي، إلى أكلة لحوم البشر في أفريقيا كهيلا سيلاسي وبوكاسا، والمتشبثين بالسلطة لآخر رمق كبوتفليقة وموغابي وموسيفيني، وهواة الجماجم في آسيا كبول بوت في كمبوديا، وال (كيم) ات الثلاثة في كوريا الشمالية، وهوشي منه وسوكارنو والخميني وني ون وغيرهم. هؤلاء الذين جندوا جلاوزة ومخبرين وسجانين وقتلة وإرهابيين وعصابات إجرامية وميليشيات مسعورة، وافتعلوا الحروب والنكبات والهزائم التي احتفلوا بها كانتصارات. هؤلاء الذين ملؤوا البلاد بالسجون أكثر من المدارس، هؤلاء الذين جعلوا الارتقاء في السلطة مقرونًا بالفساد والعته (القتل بدم بارد)، هؤلاء الذين بددوا الأحلام والإمكانات والطاقات، وخنقوا كل فرص التنمية والنهوض.

هذه الشخصيات التي ارتبطت بالرهبة، والتي حكمت تحت شعارات خلابة وكلمات براقة، وأذاقت شعوبها مرارات لا تنسى من هولها وفداحتها، تتحول في الراهن إلى صورة أكثر إهانة ويأسًا، وبدعم من نظام عالمي يتسنمه مهرج كترامب، ومراهق كبوتين، هذا النظام الذي يفرز حكامًا جددًا هم في مظهرهم أقرب إلى المهرجين، وفي حقيقتهم أكثر إجرامًا من حكام القرن الماضي، زعماء جدد يثيرون السخرية بمواقفهم وكلماتهم الساذجة والمضحكة، والتي تذكر بشر البلية، وفي الوقت نفسه يمارسون قتلًا وإجرامًا مفتوحين، وبِصمت مثير للدهشة لعالمٍ يدعي أنه انتظم إنسانيًا منذ سبعين سنة على الأقل، ويتبجح بقائمة حقوق الإنسان. هذه الشخصيات التي لا تخفي سخفها وتفاهتها وضحالتها، تتزعم وتتمكن من الهيمنة على مجتمعات عريقة وحالمة، مثقلة بإرهاصات رغبة التحول والتحرر من الاستبداد، ومتورطة في ألعاب أممية قذرة يديرها وكلاء مافيات وشركات وكارتلات عابرة للحدود والقارات.

المهرج المستبد أصبح ظاهرة سلطوية، كانت لها إفرازاتها الاجتماعية، فالمهرج القاتل صاحب القناع، والذي أرعب سكان بعض مدن العالم بجرائم فردية، والأفلام والروايات التي أنتجت خلال السنوات الماضية، والتي تصور مهرجًا يستميل الأطفال ليحوّلهم إلى أشلاء، ومهرجًا آخر تحل اللعنة في روحه فلا يشعر بالراحة إلا حينما يقتل شخصًا لا يعرفه مسبقًا. وكأن هذه الدراما تكرس هذا التحول، وكأنما يراد لشعوب الأرض أن تنتقل إلى حال أكثر هوانًا وبؤسًا، إلى ذلّ مضاعف، فالقبول بالذل تحت حكم المستبد يمكن تفهّمه تحت بند الخوف أو الفتنة، وإلى حين من الزمن ريثما يتم تفكيك البنية التي أنتجت هذا المستبد، أما الذل تحت هيمنة مهرج، فإنه أشد مضاضة وبؤسًا، ولعله أكثر محقًا للأحلام والطموحات، لأنه يبدد لعبة الأمل.

في زمن ترامب وبوتين، لم يعد احترام الأنظمة التابعة ضروريًا، بل إن الاعتداد بإذلال زعامات هذه الأنظمة أصبح مشهدًا متكررًا، ويكاد يفقد إثارته، ثمة رسالة واضحة بكلمات وسلوكيات معلنة: أنتم في هذه المناصب لأننا راضون بذلك، ونحن راضون بذلك لأننا نحصل على الثمن الذي نريد، لا ضرورة لهيبة مزيفة، لأن الإذلال يجب أن يتضاعف على الشعوب المغلوبة على أمرها، جهلًا وضياعًا وفرقة.

ترافق هذه الظاهرة موجة إعلامية كثيفة، تسخر من الطغاة المهرجين، وترصد يومياتهم بمواقفها الغبية تبجحًا، والذليلة تزلفًا في آن واحد، الطغاة الذين فقدوا إمكانية إخفاء حقيقتهم كأدوات بيد القوى المهيمنة، وفقدوا التوازن الشكلي أمام مهام مختلفة لقوى مختلفة، عليهم أن ينسقوا بينها. ولأن التنسيق بينها مفضوح، تكون جرعة الرعب التي يمارسونها أكثر همجية وفوضى. هذه الموجة الإعلامية ببرامجها المختلفة بحد ذاتها تتحول إلى أداة جلد وسخرية، إذ تنهمر في ظل عجز عام ومشاهد انحدار هنا، ودمار هناك. ويضاف إليها الأوصاف والنعوت المهينة التي ترد في كلمات قادة القوى الكبرى وإعلامهم، مع الرسائل الواضحة في الحرص على استمرارهم، وتأهيل وإعادة تأهيل من فقد شيئًا من قدرته على إرهاب شعبه.

الانتقال من سياق الطاغية المعتوه (فاقد الإحساس) إلى الطاغية المهرج المؤسس لرهاب التفاهة، أو (الكلاون) القاتل، كأفق راهن، سيفرز المزيد من التهتك الجغرافي والسكاني، والفساد المضمر سيكون أكثر جهرًا وانتشارًا، وإمكانية التغيير ستغيب تحت طبقات خوف سميكة، ولن يكون هناك أمل بأي تنمية أو استقرار. سيرتبط كل من الحرب والسلم بالاستنزاف البشري والاقتصادي إلى أن تظهر آفاق جديدة تحد من هذه الحال، آفاق لا تبدو ممكنة في المدى القريب والمتوسط، للأسف.

مقالات ذات صلة

إغلاق