تحقيقات وتقارير سياسية

أعضاء الائتلاف يغادرونه؟ الأتاسي وصبرا: استقلنا لهذه الأسباب

شهد، أمس الأربعاء، انسحابات ملفتة من عضوية (الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية)؛ إذ انسحب كلّ من سهير الأتاسي، جورج صبرا، خالد خوجة. وقد ذهب البعض إلى تفسير الأسباب التي دعت هذه المجموعة، من قيادات المعارضة السورية، إلى إعلان استقالتها وانسحابها. في الوقت الذي أعلنت فيه الأتاسي أن “تيار الواقعية السياسية يزداد انتشارًا داخل المعارضة”.

(جيرون) استطلعت آراء بعض ممن قدّم الاستقالة، وعدد من السياسيين والباحثين، وسألتهم: لماذا الآن؟ ما الذي تغيّر؟ وهل من بدائل جاهزة؟ وما حقيقة هذا الأمر بالفعل؟ ما الأسباب العميقة؟

سهير الأتاسي أول المنسحبين، تحدثت إلى (جيرون) قائلة: “لماذا الآن؟ لأن تيار الواقعية السياسية المسيطر على المشهد السياسي السوري الرسمي للمعارضة يزداد انتشارًا، حتى بات بعضهم ينادي بضرورة إدارة الهزيمة، وبات يعطي الشرعية للقفز فوق الانتقال السياسي، ويتحدث عن إزاحة الأسد عن طريق الدستور والانتخابات”.

أضافت: “لم يعد البقاء ممكنًا في أجسام رسمية، تنخرط في مسارٍ أصبح الحل السياسي فيه مشوّهًا، متجاوزًا قرارات الشرعية الدولية، مختزلًا إياها بما يتواءم مع الرؤية الروسية للحل. الأمر الذي يضع جميع السوريين أصحاب مشاريع الثورة، وليس السلطة وتقاسمها، أمام استحقاق ضرورة استعادة مسار الثورة وجذرية أهدافها، والتأسيس لكتلة حرجة توقف انحدار المسار الذي يتعايش مع وهم تحقيق الممكن، فيضلّل بذلك الثورة وأهلها، حفاظًا على بقائه في المساحة الرسمية المتعارف عليها دوليًا”. وأكدت الأتاسي: “ما زال بإمكاننا إحالة كل ما يحصل اليوم إلى فرصة، لاستعادة القرار الوطني المستقل للثورة. فليس لدينا ترف اليأس ولا الإحباط”.

الباحث السوري منير الخطيب رأى أن الاستقالات التي حدثت، أو التي ستحدث مستقبلًا، لا تعني شيئًا، لأن الأزمة تكمن في السياق التاريخي والسياسي الذي حكم تشكيل الائتلاف من جهة، وفي طبيعة وثقل التدخلات الدولية والإقليمية في الجيوبولتيك السوري من جهة أخرى، وفي تغيّر بنية القوى الاجتماعية التي تصدرت المشهد خلال سبع سنوات من جهة ثالثة”.

وأضاف الخطيب: “تتأتى أزمة الائتلاف من حزمة ظواهر أهمها: أولًا، ربط مصيره بواقعة نشوء القوى المسلحة على الأرض، وبالتالي تحوّل إلى (جبهة وطنية تقدمية) عند هذه القوى والفصائل المسلحة، وهي قوى ما دون وطنية، كونها تفتقد إلى عنصر العمومية. ثانيًا، ربط سياساته ومواقفه بالدول الإقليمية، حيث ثبت أن هذه الدول لا تعنيها المصلحة الوطنية السورية، بقدر ما تعنيها مصالحها الخاصة؛ فتحول أعضاء الائتلاف إلى ممثلين لمصالح الدول الإقليمية، وليس للمصلحة الوطنية السورية. ثالثًا، تشكيل الائتلاف حدث مفصول وغير مرتبط بالثورة السورية العظيمة، ليس من حيث تبعيته للدول الإقليمية فحسب، بل لارتباطه بقوى سياسية بائدة وسابقة على الثورة السلمية، بل إن الثورة قامت بالتضاد مع منظوماتها الأيديولوجية المغلقة. وبالتالي عجز الائتلاف عن أن يكون ممثلًا لقوى الثورة السلمية والديمقراطية، وأنا أعتقد أن دوره السياسي انتهى منذ وقت طويل؛ ولذا لا تعني الاستقالات شيئًا”.

بخصوص البدائل المطروحة، قال الخطيب: “أنا أعتقد أنها لم تتشكل بعد، ولا يمكنها التشكل قبل وقف الحرب، والانتقال من مناخ الحرب إلى مناخ السياسة، والقوى المستقبلية التي من المرجح أن تتكون، بعد الانتقال إلى فضاءات سياسية عامة، عليها بالضرورة أن تأخذ جملة من المحددات: أولًا، أن تعيد الصلة بروح الثورة السورية السلمية الديمقراطية، بعد الانقلاب على هذه الروح بواسطة القوى الفصائلية المسلحة. ثانيًا أن تمتلك عنصر العمومية، وعنصر العمومية تعبّر عنه الوطنية السورية، بوصفها فضاءً عامًا أوسع من الإسلام السياسي والعروبة السياسوية، الوطنية السورية تحتوي العرب والكرد والمسلمين والمسيحيين والسنة والعلويين، فهي المبدأ والمنطلق لبناء العقد الاجتماعي أساس الدولة الوطنية. ثالثًا، القوى المستقبلية البديلة التي لم تتشكل بعد، من الواجب عليها أن تقطع مع المبادئ (الإبستمية) للثقافة التسلطية، التي عبرت عنها السلطة والمعارضات المختلفة معًا. رابعًا، أن تعيد بناء المهام التاريخية المطروحة، فما من أهداف للسوريين، بعد هذه الكارثة التاريخية، إلا إعادة بناء حيواتهم، وفقًا للشروط الإنسانية المطلقة، التي تتعارض مع أنماط الحياة التقليدية والمحلوية التي لم تنتج غير الحروب والتدمير الذاتي”.

أما الكاتب السوري حسن النيفي فقال: “ما أراه صوابًا أن مجمل المبررات التي تضمنتها استقالات بعض الأشخاص من عضوية الائتلاف يوم أمس هي غير مقنعة لأكثر الناس سذاجة، فلو كانت المسألة تتعلق بالشأن السياسي العام والإحساس بالمسؤولية تجاه القضية السورية؛ لوجب على هؤلاء أن يستقيلوا منذ سقوط حلب الشرقية في مطلع العام 2017، وانخراط المعارضة في مسار أستانا الذي كرّس نهج التهجير القسري، واجتثاث المواطنين السوريين من بلداتهم ومدنهم، وكذلك منذ أن تم التخلي عن مجمل القرارات الدولية من قبل هيئة التفاوض، والاكتفاء بالمصارعة على مقاعد محدودة في اللجنة الدستورية”.

وأضاف: “ما هو مؤكد أن السبب الحقيقي وراء هذه الاستقالات هو شعور الائتلافيين جميعهم بالموت السريري الذي بدأت علائمه تظهر بالتدريج، ولم يتبق أمامهم سوى القفز من هذا المركب قبل أن يغرق، علّهم يحظون (من خلال هذه العملية) بتقدير الشارع السوري، الذي لا أتوقع أن يكون مضللًا إلى هذه الدرجة. كان على جميع أشخاص الائتلاف المستقيلين (لو صدقوا النية) أن يقفوا معتذرين أمام الشعب السوري، ويضعوا أنفسهم تحت المساءلة الأخلاقية على الأقل، أما خروجهم، بعد ست سنين من حالة التخريب داخل كيان الائتلاف، مدّعين عدم قبولهم بانحراف المسار السياسي للائتلاف؛ فهذه ليست صحوة أخلاقية بل قفزة هوائية. وجود كيان سياسي يجسد تطلعات السوريين، ويمثل ثورتهم هو من المستحقات التي بات لها الأولوية، وهذا لن يتحقق إلا من خلال مؤتمر وطني جامع، تسبقه حوارات معمقة وهادئة، يمكن أن يفضي إلى ولادة جسم سياسي وطني”.

أما جورج صبرا، وهو أحد المنسحبين من الائتلاف، فقال لـ (جيرون):الانسحابات من الائتلاف تجري منذ أكثر من عام، على شكل نزيف يتعرض له نتيجة عدم القدرة على قيامه بتمثيل الثورة وانعدام القدرة على الإصلاح”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق