هموم ثقافية

الجاحظ والتَّرجُمان

من الصعب مقاومة إغراء هذا النص القصير البليغ الذي كتبَه أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (776 – 868 م) في القرن التاسع الميلادي، والذي عثرتُ عليه بمحض الصدفة، ولا سيّما حين أقرأ فيه: “(…) لا بُدّ للتَّرْجُمَان مِنْ أن يكونَ بيانُهُ في نفْسِ الترجمة، في وَزْنِ عِلْمِهِ في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلمَ الناسِ باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيها سواءً وغايةً”.

كما لو أنه، بعد أن قرأ ما ينشر اليوم من ترجمات في عالمنا العربي، قد كتب لنا هذا النصَّ النقدي في الترجمة، نظرية وتطبيقًا، والذي يكاد يكون لا نادرًا فحسب؛ بل فريدًا في التراث العربي القديم حول الترجمة. لكنه كان في الواقع يكتب، على وجه الدقة، حول ما كان يصل إليه ويقرؤه، من ترجمات المترجمين في عصره آنئذ، مثل ابن البطريق، وابن ناعمة، وابن فهريز، وابن المقفع، وابن قرة.. إلخ؛ إذ إنه يذكرهم بالأسماء في نصِّه هذا الذي يمكن أن نقرأه في كتابه الموسوعي (كتاب الحيوان) بوصفه نصًا نقديًا يعالج مختلف جوانب مشكلة الترجمة السائدة في عصره، سواء على صعيد النص الأصلي أو على صعيد النص المترجم. وأعترف أنني لا أدري إلى أيّ مدىً حظي هذا النص باهتمام المؤرخين المختصين، في ميدان النصوص اليونانية التي ترجمت إلى العربية في ذلك العصر، وتناولها الجاحظ بالنقد في هذا النص.

إذ يبدو أنَّ ما كان القارئ العربي يعانيه في قراءة وفي فهم ما كان يترجم عن التراث الهندي أو الفارسي أو اليوناني، في عصر الجاحظ، وقد كان عصر الترجمة الذهبي في الثقافة العربية، هو نفسه ما يعانيه القارئ العربي اليوم في قراءته معظم ترجمات النصوص الغربية أو الشرقية، في العلم وفي الفكر وفي الأدب سواء بسواء. فالمشكلة التي يحدد الجاحظ عناصرها في هذا النص، تتمثل في شروط ومتطلبات الترجمة في ذاتها من ناحية، وفي مستوى المترجم، من ناحية أخرى، من حيث قدراته ومعارفه وسعة إحاطته -لغة ومعنى- بأداء الكلمات وتجليات معانيها في اللغتين، المنقول منها والمنقول إليها. وحين يتساءل الجاحظ، شبه ساخر في جملة من هذا النص: “.. فمتى كان رحمه الله تعالى ابن البطريق، وابن ناعمة، و (…) مثل أرسطاطاليس؟ ومتى كان خالد مثل أفلاطون؟”، فإنه يرفع سقف ما هو مطلوب في نظره من المترجم، فيما وراء معرفته الواسعة باللغتين، وبدلالات الكلمات، وفهمه دقة معانيها في اختلاف السياقات، إلى مستوى التعادل أو التماثل، كي لا نقول التماهي -على صعيد الثقافة المعرفية- مع المؤلف الذي يترجم عنه. وهو ما يوضحه على نحو دقيق لا لبْسَ فيه: “(…) إن التَّرْجُمانَ لا يؤدّي أبدًا ما قاله الحكيم، على خصائص معانيه وحقائق مذاهبه ودقائق اختصاراته وخَفِيَّاتِ حُدُودِه، ولا يقدر أن يُوفّيها حُقوقَها ويؤدي الأمانة فيها ويقوم بما يَلزَمُ الوكيل ويجبُ على الجَرِيِّ؛ وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها والإخبار عنها على حقها وصدقها، إلا أن يكون في العلم بمعانيها واستعمال تصاريف ألفاظها وتأويلات مخارجها مثل مؤلف الكتاب وواضعه.”!

من الواضح أن المشكلة لا تزال، جوهريًا، في هذا المجال، على ما كانت عليه قبل تسعة قرون. فإذا كان الجاحظ يتساءل، بقدر كبير من الشك، عن “التعادل” بل و”التماثل” على صعيد القدرات المعرفية، على الأقل، بين من ترجموا أعمال أرسطو وأفلاطون، وبين هذيْن الأخيريْن، فما الذي يمكن قوله اليوم عن مستوى وسعة ثقافة معظم من يتصدون للترجمة، ونحن نرى جميعًا نتائج عملهم في ما تلفظه المطابع العربية، من أقصى العالم العربي إلى أقصاه، يوميًا، مما يكاد لا يُقرأ، لا من سوء الترجمة التي تمس حتى عناوين الكتب ودلالاتها فحسب؛ بل كذلك نتيجة سوء فهم النصوص والصور البلاغية والمفاهيم الفكرية، الذي يتكشف لنا واضحًا في محاولاتهم التعبير عنها، فضلًا عن ضروب مختلفة من القفز على كل ما يصعب عليهم فهمه، ومن ثمَّ ترجمته؟ فرق كبير بين أن تترجم عنوان كتاب ميلان كونديرا: “خيانة الوصايا”، في حين أن المراد هو “الوصايا المغدورة”. أو أن تترجم عنوانًا آخر له: “حفل التفاهة”، في حين أن المراد هو “عيد اللامعنى”. أو أن تترجم عنوان كتاب برنار لويس: “الإسلام وأزمة العصر” في حين أن العنوان هو “أزمة الإسلام”!

هكذا يستمد العمل المترجم نقصه من قصور ثقافة المترجم نفسه؛ إذ كما كتب الجاحظ: “… إذا كان المترجم الذي قد ترجَمَ لا يَكْمُلُ لذلك، أخطأ على قدْرِ نُقصَانِهِ من الكمال. وما عِلْمُ المترجم بالدليل عن شِبْهِ الدليل، وما عِلمُهُ بالأخبار النجومية؟ وما عِلمُهُ بالحدود الخفية؟ وما علمه بإصلاح سَقَطاتِ الكلام، وإسقاط الناسخين للكتب؟ وما علمه ببعض الخَطْرَفَةِ لبعض المقدمات، وقد علمنا أن المقدمات لا بد أن تكون اضطرارية، ولا بد أن تكون مرتبة وكالخيط الممدود. وابن البطريق وابن قُرَّة لا يفهمان هذا موصوفًا مُنَزَّلًا ومُرَتَّبًا مُفَصَّلًا من مُعَلِّمٍ رفيق ومن حاذقٍ طَبٍّ؛ فكيف بكتاب قد تداولته اللغات واختلاف الأقلام وأجناس خطوط الملل والأمم؟”!

أكثر من ذلك. ليست المشكلة حقيقة كما يرى الجاحظ في نقل البلاغة التي يتميز بها النص الأصلي، والتي تبقى عسيرة المنال، بقدر ما هي أداء المعاني في دقائقها. فلو كان “الحاذق بلسان اليونانيين يرمي إلى الحاذق بلسان العربية، ثم كان العربي مقصرًا عن مقدار بلاغة اليوناني، لم يجد المعنيّ والناقل التقصير، ولم يجد اليوناني الذي لم يرض بمقدار بلاغته في لسان العربية بدًّا من الاغتفار والتجاوز..”.

لا يزال نص الجاحظ كما نرى راهنًا، رغم مرور قرون على كتابته، لاسيما أن الترجمة باتت مهنة يتصدى لها كل من ظن أنها لا تحتاج إلى أكثر من إتقان لغتين، وهو إتقان نرى نسبيته الفاضحة في كثير من الترجمات التي تقذف بها المطابع العربية إلى السوق، بلا حسيب ولا رقيب. ولعل هذا ما يجعل الدعوة إلى ممارسة نقد الترجمات التي تصدر في عالمنا العربي ملحة أكثر من أي وقت مضى؛ إذ إن هذا النقد -حين يقوم به من هم أهل لذلك بالطبع- سيفتح المجال واسعًا لتبادل الخبرات، على صعد الاجتهاد في ترجمة المفاهيم وتصحيح مسارات الترجمة والمترجمين؛ وهو تبادل يمكن أن يسهم على نطاق واسع في وضع حركة الترجمة على الطريق الذي يجعل منها حركة تفاعل وتبادل حقيقة وفعّالة، مع الثقافات الأخرى، قديمها وحديثها.

مقالات ذات صلة

إغلاق