أدب وفنون

شو رأيك نسهر الليلة سوا؟

بعد أن خرج من داخل آخر قصة، ووقف أمام باب منزل عبد الله، قال في نفسه وهو يغمز زر الجرس: هذه المرة سأحاوره بدلًا من أن أروي أخباره.

شقّ عبد الله الباب ففوجئ بشبح يمد رأسه وهو يقول:

شو رأيك نسهر الليلة سوا؟

–  هذا أنت؟ الراوي العليم؟ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته! تفضّل، تفضّل، أهلًا وسهلًا!

– لا، لا، هذه المرة أنت “معزوم” معي إلى سهرة خاصّة، يبدو أنه لا بدّ من كلام طويل، ففي بطني الكثير مما يجب أن يخرج إلى العلن!

–  غريب!

– وما الغريب؟

–  أن يكون داعيًا من اعتاد أن يكون مدعوًّا!

– قد تكون هذه آخر جلسة في هذه الحكاية الطويلة، صحيح هي لم تنهِ، لكني سأغادر بعدها، ويعلم الله متى نلتقي وأين!!

–   في أي مقهى تريد أن نسهر؟

– في أقرب مقهى، وليكن “مقهى عين الكرم”، مثلًا

– لا بأس… انتظرني خمس دقائق إذن. لكن أين تقع عين الكرم هذه؟

– في كرم العين..

 

في المقهى أشار “الراوي العليم الذي يروي الحكايات في الروايات” إلى النادل: املأ الطاولة على ذوقك!

وهكذا، بعد أن بدأت الخمرة تبرهن أنّ الدنيا فعلًا تدور، قال الراوي العليم:

–  “إن أصبت فأعينوني وإن أخطأت فقوّموني!”

ثم جعل “يرندح” الجملة، وينغّم كلماتها بهدوء، كأنه يتذوّق معانيها!

–   ما رأيكم أن يقول حاكم هذا الكلام؟

–  جواهر

– من الجواهر؟ الحاكم أم الكلام؟

– كلاهما

– أبدًا يا عبد الله، الحاكم لا بأس… أما الكلام فلا!

– ماذا تقول؟

–   يا صديقي! الراوي العليم الذي أمامك الآن، يرى أن تاريخكم يمشي بالمقلوب، وعقارب الساعات في رؤوسكم تدور بعكس عقارب ساعة الأيام!

– لم أفهم عنك؟

–  الكلام في هذه الجملة المفيدة هو حسن بالتأكيد، ويدلّ على طيبة قلب ونية سليمة، لا شكّ في ذلك، لكنه في الحقيقة بلا فائدة، إن لم يكن عمليًا بلا معنى!

– تقصد أن الجماهير ليست هي من “يقوّم” الحاكم عندما يعوجّ؟

– أقصد أنّ الحاكم كالزجاج لا يقوّم، إما أن يبقى كما هو، أو ينكسر!

– كلامكم هذه المرة مختلف أيها الراوي! يبدو أنك لم تعد عليمًا بما يكفي!

– ألم تنتبه أنه بعد أعوام قليلة على هذا الكلام الطيّب، حاولت الجماهير عمليًّا أن تقوّم الحاكم، فماذا حدث؟

– ماذا حدث؟

–  كسرته!! دون أن تستطيع تقويمه.

– ماذا تعني؟

– الحاكم لا يقوّم يا صديقي! عندما تكون في يده كل وسائل الدفاع والهجوم والمناورة والقوة، لن يقوّمه أحد، هو من يقوّم الآخرين، بحسب ما تقضيه السلطة والنفوذ لا غير!

– أليس ذلك عائدًا إلى نوع الجماهير ونوع الحاكم قبل أي شيء آخر؟

– أبدًا، الجماهير هي الجماهير والحاكم هو الحاكم، في كل عصر وفي كل آن.

– والمعنى؟

– لا بد من تغيير النظرية! لا بد من تغيير جهة الرؤية، أنتم عيونكم على الحاكم، توالون أو تخالفون، تعادون أو تحاربون، تقدّسون أو تشيطنون، وهذا هو العبث!

– والمعنى؟؟

– لا بد من تغيير العقلية التي تكتفي بالنظر إليه.

– خبّرني ماذا تريد أن تقول؟ ولماذا أتيت بي إلى هنا أصلًا؟ هل جئت بي لتقول إنني أحْوَل بعد كل هذه السنين، أم لتقول إنني فاشل كبير؟

– لا أستطيع أن أخفي عنك أنني حزين يا عبد الله، فأنت لم تستطع أن تعيش حقًا حتى الآن، رغم كل المحاولات والعذابات والتجارب المريرة التي مررت بها، ما زلت ميتًا يا عبد الله رغم كل شيء! تقوم من موت لتسقط في موت، أمّا “حجّاجك” فيقوم من حياة ليهبط في حياة، وهذا في الحقيقة فيه الكثير من القهر.

– أكمل أكمل… وقل إنني في كل مرة أموت، ثم في كل مرة أقوم، هو لأجل تقويم هذا العوج الذي يصيب الحياة!

– هل تعلم متى يمكن أن تعيش، يا عبد الله؟

– متى؟

– عندما لا تموت!

– ما هذا؟

– عندما لا تموت من أجل أن يحيا أحد، عندما لا يكون موتك هو حياة لأحد! الحياة تنفي الموت يا عبد الله، كما أنّ الموت ينفي الحياة، أما أنت وأمثالك، فمنفيون فيهما معًا. أنت وأمثالك يا عبد الله، ما دامت حياتكم مرهونة بموت حكامكم، وحياة حكامكم مرهونة بموتكم لن تصلوا أبدًا. لا أنتم تصلون إلى الحرية، ولا هم يتخلّون عن الديكتاتورية. وأنا أسمع كلًا من طرفي المعادلة يقول: أنا أعيش؛ إذن أنت تموت، وأنت تعيش إذن أنا أموت!! لا بد أن تفككوا هذه السببية من أساسها.

– وكيف نفككها؟ أليس بالنضال والسعي لتغيير الحكام؟

– لا!!

–  ماذا أسمع؟ يا صديقي أنا لا أستطيع أن أخرج من تجربتي صفر الأحلام! لقد علّمتني رغم أنفي، أن حياة الحكام رهن بموت الشعوب، وحياة الشعوب رهن بموت الحكام، الحكام يسعون جاهدين لتبقى شعوبهم ميتة، ذلك هو الضمان الوحيد لدوام حياتهم وسعادتهم.

– معك حق في النظرة العامة يا عبد الله، فالصراع الشرس هو من سنّ هذا القانون، فحكامكم يحاربون بكم في حروبهم، وعندما تتوقف الحروب يتفرّغون لحروبكم أنتم، تاريخكم ما زال تاريخ صراع وموت يا عبد الله، لأن هناك ظالم ومظلوم، ستستمرّ هذه المعادلة المقلوبة! لكنها غير صحيحة، الفلسفة الحقيقية هي أن يعيش الجميع؛ فالحياة حق الجميع وللجميع. أنتم بحاجة إلى كلام عقل بعد قرون من الجنون!

–  كلام عقل؟ هل الأنظمة الحاكمة تقبل كلام العقل؟

–  ها قد وضعت أصبعك على طرف المعادلة الصحيحة التي أعنيها، دون أن تنتبه! يا عبد الله ليست العلة في الحاكم الظالم، هذه مغالطة طالما دفعتم ثمنها!

– أين هي العلة إذن؟ أتقصد أنها في الجماهير؟

لا، لا، الجماهير ضحية! العلة العلة هي في الحكم، هي في طبيعة الحكم، وليس في الحاكم، الحاكم صورة الحكم وليس العكس.. لا تقوّموا الحاكم يا عبد الله، هذا العبث قضّيتم فيه دهورًا، قوّموا الحكم يستقم الحاكم، الحاكم أعوج لأن الحكم أعوج، الحاكم مستقيم لأن الحكم مستقيم، لن يستطيع حاكم، لا في مشارق الأرض ولا في مغاربها، أن يكون مستقيمًا في حكم أعوج، ولن يستطيع أن يعوجّ في حكم مستقيم، هذا هو المستحيل الذي خوّضتم فيه أجيالًا طويلة، وما زلتم تنطحون الحيطان ولا تتعلمون!!

– هل تعتقد أن عبد الله مغفل إلى هذه الدرجة؟

– ماذا تعني؟

– أعني هل تتوقع أن عبد الله لم يصل إلى وعي ما تقول ويفهمه من زمان؟

– يفهمه ولا يسعى إلى تطبيقه؟؟

– يفهمه ولم يستطع تطبيقه!

– الفهم لا يكفي يا عبد الله، عمره ما كان كافيًا، لكن بالمقابل، لن يصل أحد من دونه إلى أرض ثابتة! أنتم لم تعملوا على هذا الوعي كما يجب، فما دام الحاكم والسلطة هما بيت القصيد في صراعكم لن يكون إلا الخراب والعذاب، وهذه المغالطة هي ابنة ذلك الحَوَل الذي كنت أشرت إليه من قبل. الوصول إلى أرض ثابتة لن يكون بإسقاط حاكم هنا أو تنصيب حاكم هناك! فأنتم تُسقطون وتُنصّبون منذ قرون وقرون بلا جدوى! كما لن يكون بإشعال فتيل غضب أو تحدي أو حتى ثورة، هو يحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير..

 

سكت عبد الله على همّ جديد. وسكت “الراوي العليم” على نية البطولة في رواية جديدة.

والمقهى ما زال يدور ويدور ويدور.

مقالات ذات صلة

إغلاق