ترجمات

ضحايا شوارب الطغاة

كره الأكراد ستالين وصدام وتركيا. وماذا بعد؟

لماذا خان ستالين بعد الحرب الأكرادَ الإيرانيين، وأصبح ابن زعيمهم بالدعم الأميركي رئيسًا لكردستان العراق؟ من هم الإيزيدية، وما هو وجه اختلافهم عن الأكراد الآخرين؟ ولماذا اعتبر الأكراد السوفييتَ أشخاصًا غير موثوقين؟ وكيف يعيشون في روسيا الآن؟ صحيفة (لينتا روسيا) تحكي عن المصير المأسوي لأقدم شعب في العالم.

جمهورية الشعب الكردي

الأكراد هذا هو الشعب الوحيد، الذي لا يملك دولته الخاصة حتى يومنا هذا. فهذا العرق القديم لم يكن محظوظًا دائمًا، من جميع النواحي، مع حلفائه. قسمت إيران والإمبراطورية العثمانية الأراضي الكردية، بموجب معاهدة أمسيان عام 1555 وسلام زوهاب عام 1639.

هذا الانقسام أدى إلى تشكل لهجتين للغة الكردية: الكورمانجية في الشمال والصورانية في الجنوب. ظهرت مسألة استقلال كردستان لأول مرة منذ مئة عام، بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية، ونصت معاهدة (سيفر) عام 1920 على إنشاء دولة كردية، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ إطلاقًا، والدول الأوروبية التي فازت بالحرب لم تصر على ذلك. وحتى يومنا هذا نجد الأكراد مقسمين، بين بلاد فارس “إيران”، وتركيا الكمالية حطام الباب العالي العثماني، وبلاد ما بين النهرين العراق وسورية التي قسمت بموجب اتفاقية (سايكس-بيكو). ونتيجة لذلك أصبح الأكراد رهائن لسياسة القوى العظمى في الشرق الأوسط. فبعد الحرب العالمية الأولى تعرضوا للخيانة من قبل بريطانيا وفرنسا، وبعد الحرب العالمية الثانية وضعوا ثقتهم بـ ستالين. وكما تعلمون خلال الحرب الوطنية العظمى، قام كل من الاتحاد السوفيتي وبريطانيا بغزو إيران لتـأمين الإمدادات، بموجب قانون الإعارة والتأجير ومنع تعزيز النفوذ الألماني في البلاد. في كانون الثاني/ يناير 1946، بدعم مباشر من إدارة الاحتلال السوفيتي، تمّ الإعلان في المناطق المكتظة بالأغلبية الكردية عن قيام الجمهورية الشعبية الكردية: (مهاباد) في شمال غرب إيران برئاسة القاضي محمد ومصطفى البرزاني.

الصورة: إعلان جمهورية (مهاباد) 1946

حتى الآن، من غير الواضح إلى ماذا كان يرمي ستالين: فهل كان وجود القوات السوفيتية في إيران قد تعدى الفترة المحددة مع الحلفاء، أو ضمّ شمال غرب إيران إلى جمهورية أذربيجان السوفيتية، أو بناء دولة عميلة موالية للاتحاد السوفيتي على أراضيها. قبل شهر من إعلان جمهورية مهاباد في تبريز، أُعلن إنشاء جمهورية أذربيجان الديمقراطية. ونتيجة لذلك، أدت سياسة موسكو المغامرة إلى أول صراع واسع النطاق، بين الحلفاء السابقين في التحالف المناهض لهتلر، وأصبحت الأزمة الإيرانية عام 1946 واحدة من أولى القضايا التي أدت إلى اشتعال الحرب الباردة.

شعب بلا وطن

في ربيع عام 1946، تحت ضغط الولايات المتحدة وبريطانيا، أمَر ستالين بسحب القوات السوفيتية من إيران، كانت جمهورية (مهاباد)، التي كانت ممسكة بحرابها، محكوم عليها بالفشل. في كانون الأول/ ديسمبر 1946، استعادت حكومة طهران السيطرة على المنطقة. وفي شهر آذار/ مارس 1947، جرى إعدام القيادة الكردية التي أعلنت قيام الجمهورية، في الساحة المركزية لـ (مهاباد). والناجي الوحيد كان مصطفى بارزاني الذي لجأ إلى جانب أتباعه المخلصين إلى أراضي أذربيجان السوفيتية.

لماذا لا يريد كل الأكراد العيش في دولة واحدة؟

أشار في وقت لاحق الجاسوس السوفيتي بول سودوبلاتوف إلى أن البرزاني قد اخترق الحدود مع ألفي رجل من قواته وأفراد أسرهم. قامت السلطات السوفيتية بداية بوضعهم في مخيم، وفي عام 1947 أمرني أبكوموف بالتفاوض مع البرزاني، وتقديم اللجوء السياسي لهم، وتوطينهم موقتًا في المناطق الريفية في أوزبكستان، في محيط طشقند. خلال لقائي مع البرزاني، قال: إن “الأكراد قاموا بثمانين ثورة ضد الفرس والأتراك والعراقيين والبريطانيين، على مدى مئات السنيين الماضية. وطلبوا المساعدة من روسيا أكثر من ستين مرة. وعمومًا كنا نحصل عليها، ولذلك كان من الطبيعي أن تقدم لنا المساعدة في وقت عصيب على الشعب الكردي، عندما قامت السلطات الإيرانية بالقضاء على “الجمهورية الكردية”.

 

مسعود البرزاني مع بوش الابن.

عاد ابنه مسعود بارزاني بعد 10 سنوات، مع والده إلى العراق، وأصبح لاحقًا أحد الأعداء الرئيسيين لصدام حسين. بعد هزيمة الجيش العراقي في عملية (عاصفة الصحراء)، كرر خطأ والده بالاعتماد على وعود الولايات المتحدة، بدعم انتفاضة الأكراد العراقيين في آذار/ مارس 1991. فرّ أكثر من مليون شخص إلى إيران وتركيا بعد شهر واحد فقط، عندما قمعت السلطات العراقية التمرد الكردي، وأغرقته بالدماء، استيقظ الأميركيون وبدؤوا بتنفيذ عملية “توفير الراحة”، التي دعت إلى وقف الكارثة الإنسانية في المنطقة. من عام 2005 إلى عام 2017، أصبح البارزاني الأصغر رئيسًا لإقليم كردستان العراق الذي يتمتع بالحكم الذاتي. وهي اليوم المنطقة الرسمية الوحيدة للتعليم باللغة الكردية في الشرق الأوسط.

“الوضع في الشرق الأوسط ميؤوس منه تمامًا”

بعد “الربيع العربي” في عام 2011، عادت قضية الدولة الكردية إلى الواجهة من جديد. ففي سورية، حيث يعيش الآن نحو مليوني كردي، ونتيجة للحرب الأهلية المستمرة، توقفت سورية عمليًا عن الوجود كدولة واحدة. أثبت الأكراد السوريون والعراقيون أنهم أكثر حلفاء التحالف موثوقية، حيث عارضوا ما يسمى بـ “الدولة الإسلامية” (المحظورة في روسيا). ومع ذلك، فإن إعلان كردستان مستقلة أمر مستبعد، حتى على أرض العراق وسورية التي تحولت إلى دولة فاشلة (خاصة بوجود معارضة تركية إيرانية قوية لمثل هذه الدولة)، فكلا البلدين يشعر بالقلق إزاء نمو النزعة الانفصالية الكردية على أراضيهما.

هكذا أوصتنا الزرادشتية

أدى عدم قيام الدولة الكردية الواحدة إلى حقيقة أن هذا العرق القديم لم تتنازعه القبلية وحدها، بل أيضًا الانقسامات الدينية. ومثلهم مثل كافة الشعوب الناطقة بالإيرانية دخل الأكراد الإسلام، ولكن البعض منهم حافظ على إيمان أسلافهم، وهؤلاء هم الإيزيدية ورثة الديانة الزرادشتية، الديانة القديمة لإيران.

شاء التاريخ أن تصبح المسيحية واحدة من الأديان الرئيسية في العالم، على الرغم من أن المنافسين الجديين في بداية عصرنا كانت الميثارية والزرادشتية المنتشرة في بلاد فارس. بعد الفتح العربي لبلاد فارس في منتصف القرن السابع؛ تمّ استبدالهم بالإسلام، وظل الإيزيديون أحد الشعوب القليلة في الشرق الأوسط التي ما زالت تعبد الشمس. لقد كلفهم ذلك غاليًا: في العصور الوسطى، قام المتعصبون المسلمون بارتكاب مجازر عديدة بحقهم. يعدّ معبد (لالش) المزار الرئيس، الموجود في كردستان العراق، على بعد 60 (كم) إلى الشمال الغربي من مدينة الموصل. ويجب على كل إيزيدي المجيء إلى هنا مرة واحدة على الأقل في حياته خلال جاماي، أسبوع الحج السنوي الذي يعقد في بداية شهر تشرين الأول/ أكتوبر.

وقع الإيزيديون في عام 1915، مع الأرمن والبنريك اليونانيين والآشوريين ضحايا الإبادة الجماعية في الإمبراطورية العثمانية. وليس هناك أي وثيقة تشير إلى عدد الضحايا رسميًا حتى الآن (تركيا الحديثة لا تعترف رسميًا بالإبادة الجماعية)، ولكنها تدور حول مئات الآلاف. إحدى نتائج هذه المجزرة كانت هجرة الإيزيديين الجماعية إلى أراضي أرمينيا المستقلة، ثم إلى القوقاز السوفيتي، حيث عاشت مجموعات منفصلة من أحفادهم، من بداية القرن التاسع عشر.

صورة تعبيرية لقبائل القوقاز من الأكراد والإيزيديين والكباردين والشيشان عام 1876

 

الأكراد والإيزيدين في الاتحاد السوفيتي وروسيا

لم تظهر أي مشكلة للأكراد في البداية مع السلطات السوفيتية. في تموز/ يوليو عام 1923 تم تأسيس إقليم كردستان (كردستان الأحمر) داخل جمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفيتية، في إقليم ناغورني كاراباخ المرتبط بالمركز الإداري في مدينة لاتشين. إلا أنه في عام 1930 تغيرت السياسة الوطنية للبلاشفة إلى حد كبير، وتم إلغاء الحكم الذاتي الكردي، وتم إغلاق الصحف الوطنية، وتوقف التدريس في المدارس باللغة الكردية. في عام 1937، في ذروة الإرهاب العظيم، تمّ ترحيل العديد من العائلات الكردية قسرًا من أرمينيا وأذربيجان إلى قرغيزستان، بموجب قرارات مجلس مفوضي الشعب في الاتحاد السوفيتي. جرى اعتقال البطل الوطني للأكراد والإيزديين جنكير آغا الذي جاء إلى روسيا مع فوجه، ووقف إلى جانب روسيا. وبقي طليقًا مدة خمس سنوات، ومن ثم -طبقًا لمعطيات رسمية- توفي في سجن سارتوف عام 1943.

في آب/ أغسطس 1944، تمّ ترحيل الأكراد الذين يعيشون في المناطق الحدودية لجورجيا إلى كازاخستان وآسيا الوسطى. لقد شاركوا المصير الحزين لشعوب أخرى “لم تحظ بالخير”: تتار القرم واليونانيين والهامشينيين والأتراك المسخيتين والشيشانيين والبلقانيين والكالميكيين. بعد عام 1956، خلال الانفراج زمن خرتشوف تم إعادة تأهيل الأكراد وسمحوا لهم بالعيش بحرية. خلال سنوات البيريسترويكا، حاول الشعب الكردي الحصول على الجنسية الكردية من القيادة السوفيتية، وإقامة حكم ذاتي وطني كردي في القوقاز. في تشرين الأول/ أكتوبر 1990 صدر قرار في مجلس السوفييت الأعلى بإنشاء لجنة لمعالجة مشكلات الأكراد السوفييت، إلا أنها لم يُكتب لها البقاء طويلًا، فقد انهار الاتحاد السوفيتي بعد عام، وتم دفن هذه الفكرة نهائيًا.

الآن، وفقًا للبيانات الرسمية يعيش في روسيا قرابة 60 ألف كردي، وقد يكون العدد أكبر من ذلك، أما الإيزيدين والذين يعتبرون أنفسهم قومية منفصلة عن الشعب الكردي، ففي روسيا قرابة 40 ألف نسمة. يعيشون في منطقة ياروسلافل، ولهم منظمة دينية مسجلة رسميًا وهي الوحيدة في العالم، ويخططون لإقامة مركز ثقافي تعليمي في منطقة يامسكايا، بالقرب من يارسلافل في غافريلوف، مكان معسكر سابق للطلائع. منذ عام 1996 هناك قرية كردية يطلق عليها اسم (جوندي كورد) مركز حزب العمال الكردستاني الذي يخوض حربًا مع تركيا، وفيها قبر أحمد يلدريم ورمزي أكوس من ناشطي الحزب. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1998، خرجت تظاهرة أمام مجلس الدوما الروسي احتجاجًا على طرد زعيم أكراد تركيا: عبد الله أوجلان.

العنوان الأصلي للمادة Жертвы усатых тиранов
الكاتب اندريه موزوجوهين
المصدر عن صحيفة ” لينتا رو” تاريخ 2018/4 /19
الرابط https://lenta.ru/articles/2018/04/19/akrad/
المترجم هادي الدمشقي

مقالات ذات صلة

إغلاق