قضايا المجتمع

خسائر رأس المال البشري في سورية وأثرها في التنمية المستقبلية

انهمك المجتمع الدولي في إحصاء الخسائر الاقتصادية التي خلفتها الحرب في سورية، طوال السنوات السبع الماضية، حيث أصدر البنك الدولي تقريرًا كشف فيه تقديراته بأن سورية تكبدت إثر الحرب خسائر اقتصادية تعادل 226[1] مليار دولار، إضافة إلى دراسات حكومية سورية أخرى قدّرت الكلفة فيها إلى 400 مليار دولار[2]. أما الدراسات في رأس المال البشري فكانت قليلة، على الرغم من أهمية هذا الجانب، في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

تقول (إسكوا): إن “سورية خسرت 37 عامًا من التنمية، بسبب الحرب الدائرة فيها، ومع كل سنة تستمر فيها الأزمة؛ تتراجع سورية 8 سنوات إلى الخلف في المؤشرات الاقتصادية والتنموية. ويعني كل يوم إضافي في هذه الأزمة خسارة 109 ملايين دولار من الناتج المحلي”.[3] هذه المؤشرات تعني أن الجيل الذي وُلد في الحرب سيصبح في عمر الـ 37 عامًا، ليعود ويعيش في ظل نسب التنمية السيئة والمهينة التي ثار ضدها الجيل الذي سبقه.

بالتأكيد، الخسائر البشرية والخسائر في الرأس المال البشري المستقبلي تفوق بكثير الدمار الاقتصادي؛ فالدمار في الاقتصاد يمكن إصلاحه بإعادة الإعمار أما الدمار في رأس المال البشري وفي النفوس، فلا يمكن تعويضه. ويُقصد برأس المال البشري “مجموعة المعرفة والمهارات والخبرات والإمكانات والقدرات والصفات والخصائص المختلفة الكامنة في الأفراد، والتي لها صلة وارتباط في النشاط الاقتصادي”.

تتجلى أبرز الخسائر البشرية في رأس المال البشري في زيادة عدد القتلى والجرحى والنزوح القسري وهجرة الكفاءات والاعتقال والاختفاء القسري والفقر والحرمان وتدني قوة العمل ومستوى التعليم وانهيار القطاع الصحي وضياع جيل سوري كامل.

الشهداء والجرحى وذوو الإعاقة والمعتقلون والمختفون قسريًا

بلغ عدد الشهداء السوريين ما يقرب من 500 ألف شهيد، وإذا استثنينا منهم الأطفال والشيوخ الذين يزيد عمرهم عن 60 عامًا، فسنكون قد خسرنا 400 ألف من القوة العاملة. وأكدت الأمم المتحدة أن 1.9 مليون شخص أصيبوا. منهم مليون ونصف بإعاقات دائمة، وتراجع متوسط الأعمار المتوقع من 70 عامًا في 2010، إلى 55.4 عامًا في 2015، حيث أكدت (يونيسف)[4] أن أكثر من 1.5 مليون شخص الآن مع إعاقات دائمة نتيجة الحرب، بمن فيهم 86 ألف شخص فقدوا أطرافهم.

لم تتمكن أي منظمة من إحصاء عدد المخطوفين أو المختفين قسريًا، وما تمّ الحصول عليه هو مجرد أرقام أولية وصفت بأنها أرقام كبيرة. والخطف في سورية تنوع من حيث الأهداف والطرق، حيث خطف عدد كبير من المدنيين والمثقفين والعلماء والباحثين وطلاب الجامعات والناشطين السياسيين. وقد أكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير لها، أن عدد المعتقلين السوريين في سجون النظام تجاوز 220 ألفًا، مضيفة أنهم يعانون من أوضاع إنسانية مزرية.

اللاجئون والنازحون والمهجّرون قسريًا

في ظل تزايد عدد اللاجئين والنازحين ليصل إلى نحو 13 مليون شخص (5 ملايين[5] لاجئ خارجيًا و8 مليون نازح داخليًا)؛ يزداد الفقر والحرمان حيث يؤكد البنك الدولي بأن “6 من بين كل 10 سوريين يعيشون الآن في فقر مدقع، بسبب الحرب”[6]. ويقول إن ثلاثة من أصل أربعة سوريين في سن العمل، أي ما يقارب تسعة ملايين شخص، لا يعملون أو غير منخرطين في أي شكل من أشكال الدراسة أو التدريب. وهناك خسارة نهائية لـ 3,200,000 سوري من قوّة العمل التي تشكّل أساس رأس المال البشري.

كما أكد تقرير المدير الإقليمي في منظمة (سيف ذي تشيلدرن) دفع الملايين إلى الفقر؛ ما جعل معدلات عمل الأطفال تصل إلى مستويات خطيرة، وأضاف التقرير في الوقت التي تصبح العائلات أكثر يأسًا، فإن الأطفال يعملون بشكل أساسي من أجل البقاء على قيد الحياة.

ويتوقع أن يترتب على هذا الخمول في النشاط خسارة جماعية لرأس المال البشري، مما يؤدي إلى نقص في المهارات في سورية الذي سيؤثر بالتأكيد في قدرة البلاد على النهوض والتعافي من الأزمة.

هجرة العقول السورية

تشير دراسة جديدة لمفوضية شؤون اللاجئين[7] إلى أن سورية تشهد هجرة عقول واسعة النطاق، خاصة أن ما يقرب من 50 بالمئة من الوافدين السوريين إلى أوروبا قد تلقوا تعليمًا جامعيًا، إلى جانب نسبة كبيرة منهم قد حصلت على تعليم ثانوي. فعلى سبيل المثال، هاجر نصف الأطباء من سورية، بعد أن كان عددهم قبل اندلاع الحرب أكثر من 31 ألف طبيب، حسب وزارة الصحة السورية. وتعدّ هجرة الكفاءات والخبرات أو ما يسمى “هجرة الأدمغة” أو “هجرة العقول” واحدة من أهم الخسائر الاجتماعية والاقتصادية، من خلال استنزاف العنصر الأغلى والذي يعتمد عليه بين العناصر والعوامل الضرورية للنهوض بالتنمية. وتوقعت دائرة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية لقسم السكان في الأمم المتحدة، ضمن تقريرها عن هجرة السكان ومن ضمنهم الأدمغة والكفاءات العلمية، أن تكون الخسائر السورية من هجرة أدمغتها العلمية نحو 100 مليار ليرة سورية.

الجيل السوري الضائع

قالت الأمم المتحدة: إن نحو 8.4 مليون طفل سوري[8]، تأثروا بسبب النزاع الدائر في بلادهم، سواء في داخل البلاد أو كلاجئين في الدول المجاورة. ويشكل هذا الرقم نحو 80 في المئة من مجموع الأطفال في سورية. وأوضح تقرير (يونيسف) أن نحو 3.7 مليون طفل، أي طفل من بين ثلاثة في سورية، وُلدوا منذ 2011. وظهر (جيل الحرب) الذي لا يعرف إلا العنف والخوف والنزوح. وهناك أكثر من 1.8 مليون طفل لاجئ، و15 ألف طفل منفصل عن ذويه عبروا الحدود السورية، و310 ألف طفل ولد خارج البلاد، و2.8 مليون طفل سوري في سورية والدول المجاورة، لم يلتحق بالمدارس، إضافة إلى مقتل الكثيرين أو اعتقالهم.

لقد أفرزت الحرب جيلًا من الأطفال والشباب الحاصلين على قدر ضئيل من التعليم والرعاية الصحية، بسبب النزوح وإغلاق المدارس والمستشفيات؛ ما سيكون له تداعيات طويلة المدى على رأس المال البشري وقوة العمل المستقبلية.

وفي ظل ظروف الحرب واللجوء والنزوح، ارتفعت نسبة الأطفال غير الملتحقين بالتعليم الأساسي، لتصل إلى مستويات خطيرة تجاوزت 50.8 بالمئة، وفي التعليم الثانوي إلى 90 بالمئة. وهذه النسبة لا تعني سوى أن الجيل الجديد من السوريين سيكون غير متعلم، وغير قادر على تحقيق نهضة اقتصادية أو اجتماعية تتحقق عادة بعد الحروب. لنقص تعليم الأطفال السوريين تداعيات كارثية على مستقبلهم. فمع فقدان المهارات الأساسية، تتقلص كمًّا ونوعًا الخيارات المتاحة للأطفال والشباب لدخول سوق العمل أو ممارسة أي نشاط اقتصادي أو تنموي في المستقبل.

وتشير تقديرات دراسة (يونيسف) تحت عنوان (الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التسرب من المدرسة بسبب الأزمة السورية)، إلى أن مجموع الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التسرب من التعليم الأساسي والثانوي، هي 10.7 مليار دولار أميركي.

أكثر من 3 مليون طفل سوري اليوم هم في سوق العمل، وهم نصف تعداد الأطفال السوريين الذين من المفترض أن يكونوا في صفوفهم الدراسية. إن عمل الطفل يترافق مع انخفاض تحصيله العلمي وانخراطه لاحقًا كبالغٍ في مهن لا تلبي المعايير الأساسية للعمل اللائق. ويتدنى احتمال حصول من يترك المدرسة مبكرًا على وظيفة مستقرة في المستقبل، وهو أكثر عرضةً للبقاء خارج عالم العمل كليًا. إن عمل الأطفال حلقة مفرغة تُبقي الجيل القادم أسيرًا للفقر، ومن خلال عمل الأطفال تنشأ دائرة مغلقة من الفقر والاستغلال، تُبقي الجيل القادم أيضًا أسيرًا للفقر المدقع.

خسارة رأس المال البشري وإعادة الإعمار والتنمية المستقبلية

إن الخسارة في رأس المال البشري، إبّان الحروب، تشكل السبب الرئيس في بطء نتائج إعادة الإعمار بعد انتهاء الحروب. وتتطلب إعادة تأهيل القوة العاملة، وتعويض أعوام الخسارة في التعليم، التدريب، والإنتاجية، فترات طويلة تفوق أضعاف ما توجبه جهود إعادة إعمار الأصول المادية المدمرة في الحرب، والتي تتفاوت وفقًا لإتاحة الموارد المالية اللازمة لذلك.

لقد تسببت الحرب في ضياع جيل كامل من الأطفال، وسنحتاج إلى جهد ووقت طويلين لتخطيها، ما قد يؤثر في مجموعة واسعة من القضايا المستقبلية المرتبطة بمستقبل سورية. فعندما تنتهي الحرب، لن يتمكن شبابنا من المشاركة في إعادة الإعمار؛ إذا لم يتلقوا التعليم اللازم لبناء كفاءاتهم وإمكاناتهم البشرية اللازمة لإعادة بناء سورية. لذلك فإن على المجتمع الدولي والمنظمات العاملة في سورية أن يركز بشكل أكبر على النواحي التنموية والتعليمية، حيث هناك تقصير كبير في هذا المجال. وهناك فجوة كبيرة بين الفوائد التي يمكن أن يقدمها التعليم للاقتصاد والمجتمع السوري، وبين التمويل الفعلي الذي يتلقاه قطاع ومجموعة التعليم من المجتمع الدولي.

من المتوقع أن يضيع الجيل الجديد وسط الدمار، ولن يمتلك القدرة على إعادة بناء ما تدمره الحرب يوميًا، سيكون اقتصاده رهينة مؤسسات التمويل الدولية، وستتنافس الدول الكبرى للسيطرة على مؤسساته ونفطه ومقدرات أرضه. وكلما طال أمد المعركة؛ تضاءل الأمل بالتعافي السريع من الأزمة.

تتطلب إعادة بناء البنية التحتية التعليمية، على الصعيدين: المادي والاجتماعي، تمويلًا وجهدًا واسعي النطاق. فهناك قضايا تربويه مرتبطة بالتأثير الاجتماعي للصدمة النفسيه لجيل من الأطفال والشباب، وهي تحتاج إلى جهد كبير، للوصول إلى جيل لدية الكفاءات والإمكانات القادرة على المساهمة في عملية إعادة البناء. وعلى ذلك؛ فإن الاستثمار في التعليم، في سورية، كما في أوساط اللاجئين، ينبغي أن يكون أحد أهم أولويات المجتمع الدولي؛ فثمة حاجة إلى الاستثمارات؛ لدعم البنية التحتية التعليمية، وكذلك لتعزيز التعليم العلاجي والمهني؛ ما يسمح للأطفال –شيئًا فشيئًا- بتعويض الوقت الذي حُرموا فيه المدرسة، وهذا لا يحدث حاليًّا؛ لذلك لا بد من الإسراع بوضع وتنفيذ برامج تعافي تنموية طويلة الأجل.

لا بد من التوجه نحو إعادة بناء الإنسان، من جميع جوانبه النفسيه والثقافية والاجتماعية، لينتج جيل متوازن يستطيع تجاوز آثار الأزمة، وهذا يستلزم البدء بالتخطيط لمشاريع تهتم بالتأهيل والتدريب والتنمية المستدامة، مما يضمن استمرار التنمية. ولعل من أساليب الاستدامة الفعالة المساهمة من خلال البرامج والمشاريع لإيجاد مؤسسات ومنظمات مجتمع مدني وطنية، بحيث يتم تأهيلها لتستمر بالدور ذاته بشكل مستدام، إضافة إلى دعمها لاحقًا لإنماء المشاريع وتطويرها، وهذا يتطلب جهودًا تنصب في مجال التدريب والتطوير بشكل مستمر؛ بهدف الانطلاق من التأهيل والتنمية المحلية إلى تنمية كل الوطن مستقبلًا.

 

[1] “خسائر الحرب: التبعات الاقتصادية والاجتماعية للصراع في سورية”، البنك الدولي 2017

[2] الأسد: هذه كلفة إعادة إعمار سورية! الجديد، 2018

[3] سوريا ما بعد الحرب: جيل جديد مكبّل بالديون، العربي الجديد ،2014

[4] (يونيسف) تحذر من إقصاء وتهميش الأطفال ذوي الإعاقة مع مرور 7 سنوات على الحرب في سورية، يونيسف 2018

[5] عدد اللاجئين السوريين تجاوز خمسة ملايين شخص، النهار 2017

[6] الآثار المرئية للحرب في سورية ربما تكون مجرد غيض من فيض، البنك الدولي، 10، 7/ 2017

[7] هجرة العقول السورية عقبة أمام إعادة الإعمار، سبوتنك.

[8]سورية.. 8.4 مليون طفل تأثروا بسبب الحرن الحرة 2018

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق