أدب وفنون

حسين العودات رحلة القلق والأمل

“مع حسين العودات، يكون المرء في حضرة جلالة التاريخ، فضلًا عن كونه ممتلئًا بقصص البسطاء من الناس، يذكرها بشغف، ويعتمدها كثيرًا في قراءة الواقع. متواضع بلا تصنّع، بعيدًا من التواضع المرضي الذي يختصّ به “اليسار العربي” عمومًا، الذي انفجر تواضعُه احتقارًا للبشر في لحظة الثورة. مع أبي خلدون، يعشق المرء العروبة. عروبة حضارية وثقافية بلا أوهام عن الذات والآخر، وبلا استبداد وإقصاء، وبلا ادعاءات وخطابات رنانة”. والاقتباس من مقالة حازم نهار (آخر الرجال المحترمين) التي ضمها كتاب (حسين العودات رحلة القلق والأمل)، إعداد وتقديم فايز سارة، وقد صدر حديثا عن (دار ميسلون)، بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل العودات، تكريمًا لإسهامه الثقافي ونضاله من أجل الحرية.

في مقدمة كتابه، يؤكد فايز سارة ضرورة تكريم العودات وجميع المثقفين السوريين الذين عملوا من أجل التغيير الديمقراطي، الأحياء منهم والأموات، كشكل من أشكال العرفان بعطائهم، وردًا على سياسة القمع والتهميش التي مارسها نظام الأسد بحقهم. وفي السياق، يلقي الضوء على بعض مبادرات التكريم التي حاول القيام بها ولم يُكتب لها النجاح، كقوله: “قمت والأستاذ ميشيل كيلو بإجراء مقابلة مطولة، استمرت ساعات وعلى مدار عدة جلسات مع الأستاذ المقدسي، أواخر العام 2004، لتكون جزءًا من مشروع تكريمه في كتاب عن حياته ودوره في خدمة الثقافة العربية، لكن أشرطة التسجيل، اختفت في ظروف غامضة، ولم يتح الوقت لإجراء مقابلة أخرى بسبب الظروف الصحية للأستاذ أنطون، والتي انتهت بوفاته في صيف العام 2005”. ويضيف: “لم يكن حظ الأستاذ العودات في تكريمه حيًا، بأفضل من الأستاذ المقدسي. فبعد حوار مسجل معه أُجري مطولًا عام 2007، جرى اعتقالي في عداد معتقلي “إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي” لعامين ونصف، كان بين نتائجها ضياع الحوار المسجل معه، ولم تمضِ سوى أشهر قليلة بعد خروجي من الاعتقال، عندما قامت الثورة، فانتقلنا الى ظروف جديدة”. ثم يشير إلى مبادرة (مركز حرمون للدراسات المعاصرة)، في إطلاق جائزة سنوية باسم “جائزة حسين العودات للصحافة العربية”، تقديرًا لجهده في الحقل الإعلامي والأخلاقيات النبيلة التي أرساها على امتداد الخارطة العربية.

يُقسم الكتاب إلى فصلين: الأول يتكون من ثلاثة مقالات مطولة، كتبها أكثر أصدقاء العودات قربًا له: ميشيل كيلو، علي العبد الله، وفايز سارة، محاولين الإحاطة ببيئة الراحل وظروف نشأته وسيرته المهنية والسياسية، فيما يتكون الفصل الثاني من شهادات ونصوص أربعة عشر مثقفًا من مختلف أرجاء العالم العربي، تتحدث عن ذكريات ومواقف جمعتهم بالعودات، منهم: حازم نهار، نجاتي طيارة، بدر الدين عرودكي، كمال رمزي، معن بياري، وابنه باسل، يُضاف إلى ذلك ملحقين: الأول خاص بمقتطفات من مؤلفات العودات، والثاني عبارة عن مختارات من مقالاته.

تحت عنوان (صحافيًا وكاتبًا ومفكرًا وناشرًا)، يستعرض فايز سارة أهم المحطات في سيرة حسين العودات (1937-2016)، ويذكر أنه بدأ حياته المهنية مدرسًا في الخمسينيات من القرن العشرين، يوم كان لهذه المهنة قيمتها الاجتماعية الرفيعة، ومن بعدها أصبح مفتشًا ثم مديرًا لمديرية التربية في مدينة درعا، قبل أن يجري اختياره في العام 1966 لتولي الإدارة العامة للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) فور قيامها، حيث استمر على رأسها أربع سنوات، إلى أن تم اختياره مستشارًا صحافيًا وثقافيًا في رئاسة الحكومة السورية، وعاصر في هذا المنصب أربعة من رؤساء الحكومات السورية، قبل أن يقيله رئيس الحكومة عبد الرؤوف الكسم من منصبه، ويغادر العمل الرسمي بصورة نهائية، ليتفرغ إلى الترجمة والتأليف والكتابة الصحفية وإدارة (دار الأهالي للطباعة والنشر) التي أسسها في دمشق عام 1987.

أما على المستوى السياسي، فيذكر سارة أن إسهام العودات في الحراك المدني السلمي، من أجل الإصلاح والتغيير الديمقراطي في سورية بدأ منذ عام 2001 في “لجان إحياء المجتمع المدني” وما تلاها من “إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي” عام 2005، ثم الإسهام في تشكيل “هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير”، صيف 2011 بعد قيام الثورة، والانسحاب منها، وصولًا الى مؤتمر القاهرة 2015.

أسوة بكل المثقفين المعارضين، سدد العودات ثمن مواقفه السياسية، تارة بالملاحقات الأمنية، وأخرى بتجفيف مصادر رزقه، فكما كتب بدر الدين عرودكي: “للحرية ثمن لا بد من دفعه، في نظام قام على ما أعلنه مؤسسُه: (لا رقابة على حرية الفكر إلا رقابة الضمير)، حين عهد إلى ستة عشر فرعًا أمنيًا القيامَ بوظيفة هذا (الضمير)! هكذا لم يكف حسين العودات عن زيارات مكاتب (الضمير) الأسدية على اختلافها مطلوبًا، طوال سنوات حكم مؤسس الاستبداد في سورية، حتى وفاته”.

فيما أشار نجاتي طيارة إلى ما كتبه العودات على صفحته في (فيسبوك) قبل وفاته بأسابيع، “محتجًا على إيقاف راتبه التقاعدي من اتحاد الكتاب العرب، عقابًا له على موقفه السياسي، وكأنه يفضح من جديد المنظمة المعروفة بتبعيتها العمياء لنظام الطاغية، ويطلب منها أن تكون محض نقابية وحامية لأعضائها وحافظة لحقوقهم، في مرحلةٍ انهار فيها كل مشروع الدولة الوطنية ومؤسساتها في سورية، واستباحها التدخل الروسي والإيراني”.

تبقى ملامح الراحل برسم انطباعات أصدقائه ومعارفه، بالنسبة إلى قارئ لم يلتقِ العودات، حتى يصل إلى ملحق كتبه ومقالاته، ويطلع بنفسه على آرائه وسجاله الثقافي حول أهم القضايا التي فرضتها مقتضيات التحديث واحترام حقوق الإنسان. ولعل أبرزها أسباب تعثر مشاريع النهضة لدى العرب، ففي خاتمة كتابه “النهضة والحداثة: الارتباك والإخفاق” (دار الساقي 2011)، يحاول إضفاء تفسير منطقي لهذه الظاهرة، فيكتب: “بدأ دخول المفاهيم الحديثة إلى البلدان العربية مع بدء الغزو الاستعماري، ولذلك غالبًا ما استطاع أعداؤها إقناع قطاعات واسعة من المجتمع، بمن فيهم تيارات ثقافية، بأن هذه المفاهيم المسماة مفاهيم حداثية هي مفاهيم استعمارية، تهدف إلى تهديم الإسلام والقيم الإسلامية والعربية، وقد ساعدهم في ذلك همجية الغزو الأوروبي وصعوبة التفريق بين المفاهيم الحداثية وهذا الغزو”.

وفي مقالته “المساواة والمشاركة في سورية” (مدار اليوم 30 مارس 2015)، يرى العودات أن جذر الفساد والاستبداد في الحياة السورية، يرجع إلى أن النظام الشمولي السوري: “رفض مبدأ المساواة بين المواطنين، كما رفض مشاركتهم في بناء الدولة، وتسيير أمور المجتمع والسلطة بشكل عام، أي أنه استبعد عن التداول أقنومي المواطنة الأساسيين، أي المساواة والمشاركة، انطلاقًا من شعار رفعه حزب البعث، منذ انفرد بالسلطة عام 1963 وهو حكم الحزب الواحد”.

حول تقاعس المجتمع الدولي عن حماية السوريين، يرى العودات أن “ما يجري في سورية لم يشهده أي بلد في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، مع فارق أن التدمير في تلك الحرب كان من قبل أعداء، أما هنا فهو تدمير ذاتي. ومع أنه لا يوجد أي أفق لحل الأزمة السورية، فإن دبلوماسيي الدول المعنية وسياسييها يهذرون، ويزعمون أنهم يعملون للوصول إلى حل سياسي، ويؤكدون استحالة وصول الصراع العسكري إلى نتيجة حاسمة، فماذا تنتظر الدول ذات الشأن، ما دامت غير قادرة على الحل السياسي أو العسكري؟ ولماذا لا تمارس المنظمة الدولية حقها في التدخل، وصولًا إلى إنقاذ السوريين من بلواهم، كما مارسته سابقًا أكثر من مرة، وفي بلدان عديدة؟” (البيان 21 نيسان/ أبريل 2014).

ولعل العودات كان أفضل من وصف أساليب التضليل التي يتبعها الإعلام السوري الرسمي لتعمية الرأي العام، منذ بداية الثورة بالاعتماد على: “نظرية (غوبلز) وزير الدعاية الألماني النازي، التي تقول (اكذب، اكذب، حتى يصدقك الناس)، وكذلك نظريته الأخرى (كلما كبرت الكذبة؛ سهل تصديقها). وما زال هذا الإعلام يكذب ويكذب طوال سنوات أربع، على أمل أن يصدقه الناس، ولم يغيّر أو يبدل رغم انكشاف كذبه عشرات المرات”.

ويختم العودات مقالته ساخرًا: “يبدو أن الجهات التي تزود وسائل الإعلام السورية بأخبار الصراع الداخلي، لم تنتبه إلى أنه حسب أخبارها، قتل الجيش من الثوار المسلحين، ما زاد على عددهم الأصلي، وما زال يعلمنا يوميًا بالقضاء على المئات وتحرير مناطق جديدة، فمثلًا تحررت جوبر مرات عديدة، ومثلها داريّا والمعضمية وبلدات في أرياف درعا وحمص وحماة وحلب ودير الزور، ويستغرب المتلقي أنه ما دامت، قد تحررت من قبل من (الإرهابيين) فممن يتم تحريرها الآن؟”.

 

*”حسين العودات/ رحلة القلق والأمل”، تكريم في 156 صفحة. المؤلف: فايز سارة. الناشر: دار ميسلون للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق/ سورية 2018.

*فايز سارة: كاتب وصحافي ومعارض سوري من مواليد 1950، يرأس تحرير موقع (مدار اليوم) الإلكتروني، وله نحو عشرين كتابًا في الشؤون السورية والعربية. أسهم في تأسيس العديد من تشكيلات المعارضة، وتولى مسؤوليات قيادية فيها، واعتُقل مرات عدة بسبب نشاطه.

مقالات ذات صلة

إغلاق