أدب وفنون

موكب البط البرّي

كانت مدينتي هاجعة، يغلّفها ضبابٌ كثيف، حينما غادرتها فجر صباح باكر. ثلوجٌ غزيرةٌ كانت تغطي أسطحة المنازل، وأفارز الشرفات، والشوارع، وأعمدة الكهرباء، والمآذن، وواجهات الكنائس….

بدأ الدفء يتسلّل رويدًا.. رويدًا، مع إطلالة ضوء شحيح؛ حيث لم يبق سوى بضع زخّات من المطر، بيد أن السماء ما برحت متلبدةً بغيوم كثيفة. بعضها أسود، وبعضها الآخر أبيض. يتدرّجُ بينهما الرمادي، لكني لم ألحظ حضورًا للأزرق، على الرغم من بذلي جهودًا مضنية في البحث عنه!

اتجهت صوب الشرق، ومن ثم نحو جنوب المدينة. كان كلّ همّي أن أصل إلى السهول الخضراء الممتدة، بعيدًا عن الكتلة الجبلية، التي تضغط على أنفاس المدينة، وتهيمن عليها بقسوة عاتية من جهة الشمال.

اعتقدتُ أن الرؤية، ربما تكون أوضح في السهل، رغم الضباب؛ إذ ليس ثمة حواجز تصدم النظر، أو تعيق الاكتشاف. تنفست بعمق هواء الصباح، وعانقت المدى بنظرة بعيدة، لكنها ضاعت في لجّة مفاجأة، غير متوقعة، حيث ظهرت أمامي طلائع موكب سيارات سوداء فخمة، تتقدمها بسرعة البرق دراجاتٌ ناريةٌ، تنطلق بهدير يشبه هدير عاصفة، وهي تعلن سطوة طقوس السلطة. رحتُ أسمع بوضوح صوت تكسّر أعواد الزرع الأخضر، وهي تُسحق بلا رحمة، تحت وطأة العجلات المسرعة. كانت عيدان الزرع تئنُ، وتصرخ متوجعةً، لكن العجلات ظلت تسير حسب البرنامج المرسوم لها، غير مبالية بآلام الزرع.

شدّني في تلك اللحظة الغامضة هديرٌ من نوع آخر، حيث بدأت تخرج من بين السحب آلاف الطيور البرّية، الغريبة، التي غطت سماء الموكب، وشكلت فوقه مظلةً هائلة، مترامية الأطراف. تشبه ألوانها ألوان الغيوم التي خرجت من بينها. فيها الأسود، والأبيض، والرمادي… وقفت حائرًا دهشًا أمام كلّية المشهد. دققت النظر في سرب الطيور، حينما اقترب مني، لعلي أكتشف ماهيته. عرفت أنه بطّ برّي غريب.

انتابتني في تلك اللحظة رغبةٌ عارمةٌ في الصيد. تمنيتُ لو كانت معي بندقية.. تحسست خصري.. تذكرت مسدسي.. أخرجته. المشكلة أنني لا أملك سوى طلقة واحدة، موجودة في بيت النار. حدثت نفسي: ربما أحتاجها في موقف آخر، أكثر إحراجًا، لذا قررت ألا أتخلى عنها.

تنامى في داخلي شعورٌ دفينٌ، متناقضٌ تجاه تلك الطيور. بدا لي من أعماق الذاكرة أنني كنت في زمن ما –لم أستطع تحديده تمامًا– على علاقة ما مع هذه الطيور، ثم توضحت الصورة في داخلي أكثر: تلك العلاقة لم تكن عادية، أو عرضية! ربما كنت في فترة سابقة واحدًا من تلك الطيور. تراءى لي أنني لولا تطور وعيي، ولولا ظروف، وأسباب أخرى دفعتني إلى الابتعاد جزئيًا عنها، لربما كنت الآن أطير مع هذا السرب، ولا أختلف كثيرًا عن أي طائر من طيوره! لكنني أقف الآن خارج المدينة. أراقب المشهد عن كثب، حيث يسمح لي المكان بفسحة للتأمّل. بدأت ألمس صراعًا خفيًا يجري داخل السرب. لم تكن حركات الطيور متآلفة، أو منسجمة. بعضها كان يعلو ويهبط، وبعضها الآخر راح يتحرّك بطريقة لولبية، وآخر حافظ على خطّ سيره.

حاولت أن أخمّن طبيعة الخلاف الجاري بينها. كان واضحًا من توتر الأجواء أن قتالًا ما سوف ينشب بين تلك الطيور. ظننتُ في البداية أنها موحدةً سوف تهاجم رتل السيارات السوداء، لكن الصورة أخذت تتغير. فجأةً بدأت بعض مجموعات السرب تنفصل عنه، وتطلق من أجنحتها إشارات معينة، ثم لا تلبث أن تهبط، وتندمج في مؤخرة موكب السيارات. كانت صدورها العريضة تتطاول شيئًا فشيئًا، ثم تتحوّل إلى واجهات معدنية، تشبه الآليات الثقيلة المتحركة. كانت في البدء تتحرّك على أرجلها ببطء متعثرّةً بعض الشيء، لكنها سرعان ما تنتظم في الركب، وتمضي مسرعةً لا تلوي على شيء.

لم أبرح المكان الذي وقفت عنده، على أطراف المدينة التي أضحت خلفي، فيما كانت السهول التي اكتست في الليل بساطًا أبيض، تمتد أمامي، حينما خرج الموكب من بين الزرع، متوجهًا نحو المدينة. اختلطت الأصوات في داخلي. لم أعد أميّز بين هدير المحركات، ورفيف أجنحة البط، ثم راحت تظهر من خلف الموكب آثار العجلات، وحولًا عكرت صفحة البياض. نظرتُ إلى السماء، كانت شديدة السواد، تنذر غيومها الكثيفة بانفجارات قريبة.

حاولت سبر أغوار نفسي، كي أحددّ موقفي. كنت في حالة انشداه، تشبه انعدام الوزن. لم أكن فرحًا، ولا حزينًا، ولا خائفًا، ولا متحمسًا… بل كنت في حالة انتظار. انتظار شيء ما يحدث، ويغيّر المشهد. كلُّ المؤشرات كانت غامضة، ومتشابكة، وكنت أتوق إلى شيء من الوضوح، وصفاء الذهن!

اقتلعتني فجأةً من حقل تأملاتي أصوات انفجارات تشبه الرعد. أحرقت جديلة السماء، بوهج نيرانها الصادرة عن بقايا السرب. كان صداها ينفجر على الأرض على شكل عواء مرعب.. صارخ يأتي من كل الاتجاهات.

اختلطت الكائنات: بشرٌ.. قططٌ.. ذئابٌ.. بطٌ برّيٌ، أسود اللون ورمادي، لكن الذئاب كانت طاغية على نحو خاص. كانت تركض بجنون في كل صوب، وتعوي عواءً عميقًا.. أجشّ.. مبهمًا!

بدأ قتالٌ ضار بين تلك الكائنات. أغرق كثبان الثلج بالدماء، والرؤوس، والأذرع، والريش، والأشلاء… اختلط الأبيض بوحول العجلات، بسيول الدم الأحمر المسفوك في هدأة الصباح!

تحسست مسدسي، وركضت هائمًا على وجهي باتجاه السهل. ثمة بقع رمادية كانت تغطي صفحة البياض، تشبه بقع حبر على ورقة نشّاف. خطر للحظة في ذهني خاطرٌ: لماذا لا أشارك في إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟!

هممتُ بإنقاذ أحدهم من بين النيران المشتعلة. حين رفعت رأسه سرَت قشعريرة باردة في جسدي، هززته بعنف. كان الرأس رأس طفل يلفظ أنفاسه الأخيرة. مكسور الجمجمة، وقد شوهت ملامح وجهه بقسوة وحشية!!

أمام عجزي المطلق إزاء المشهد؛ أخرجت مسدسي وصرخت صرخةً مجنونة من أعمق أعماق روحي الموجوعة، وأفرغت الطلقة الوحيدة في رأس أول ذئب واجهني!

مقالات ذات صلة

إغلاق