تحقيقات وتقارير سياسية

عن سيناريو مخيم اليرموك

في عام 2012، وجّه خالد عبد المجيد، أمين عام تنظيم فلسطيني، رسالةً إلى أبناء المخيم، مفادها أن مخيم اليرموك “لن يكون أغلى من حمص”، مع أنها ودرعا كانتا تدفعان فاتورة دموية، من جراء هجمات النظام التي لم يسلم منها حتى مخيم درعا، الذي ما زال عبد المجيد وأمثاله حتى اليوم يُنكرون تعرضه لأي ضرر. طبعًا، لم تكن الرسالة من بنات أفكار عبد المجيد، بل حملها من النظام إلى أهالي المخيم، علّهم يتّعظون من جرائم كان صداها يدوّي في كل سورية، باستثناء صالونات السياسيين والنخب الفلسطينية.

على أي حال، رسالة القيادات الفلسطينية، ومعظم أمنائها العامين الذين يتخذون مكاتب لهم في حيي المزرعة والمزة، وفي رام الله وغزة، كانت نظرتهم إلى مخيم اليرموك، من باب الموقف لجهة عدم الانخراط، في ما أطلقوا عليه “الأزمة” أو “اندلاع الأحداث”، وهما مصطلحان يؤمنان الهروب من مواجهة الحقيقة، في الثورة السورية، التي تعرّض أبناؤها لحملة منظمة من القتل والمجازر التي دأب ينكرها أصحاب نظريتي “الأزمة والأحداث”، وصولًا إلى ترديد ما يُكتب في أروقة الفروع الأمنية لبيانات فصائلية فلسطينية.

بالتأكيد، لم تكن تصريحات عبد المجيد بدايةَ المواقف، فقد سبقتها وتبعتها مواقف وتصريحات، تبرر قتل السوريين من جهة، وتساند وتشارك في حصار مخيم اليرموك من جهة أخرى، وتنخرط في مساندة النظام في جبهات عديدة، طوال أعوام الثورة؛ فحين قصف النظام مخيم اليرموك بطائرات (ميغ)، نهاية عام 2012، لم يكن “دواعش” النظام الإرهابيين قد تغلغلوا إلى اليرموك، واتُخذت حينئذ مبررات أنكرت قصف النظام للمخيم، كما أنكرت قتل النظام لمئات المعتقلين الفلسطينيين تحت التعذيب، وفي المقابل شكّلت معظم المواقف الرسمية الفلسطينية الغطاءَ الفعلي لجرائم حصار المخيم، ومقتل العشرات جوعًا نتيجة الحصار، وكان موفدو منظمة التحرير الذين تقاطروا إلى دمشق، يتبنون رواية الفروع الأمنية التي روجتها مكاتب الفصائل.

يُقصف مخيم اليرموك من جديد، كباقي المدن والأحياء السورية التي شهدت تمردًا قويًا على النظام، وكانت حاضنة شعبية للثورة السورية، ومرتكزات تاريخية للمعارضة الشعبية. ما يتم اليوم من سيناريو القصف والتدمير، بعد التهجير الذي دام ستة أعوام، هو للقضاء نهائيًا على عودة حياة البشر إلى سابق عهدها، وقد نُفذ هذا المخطط ضمن العديد من المدن والمناطق السورية؛ فعندما يعلن النظام سيطرته على منطقة؛ يعمد إلى تهجير من تبقى صامدًا من سكانها، ليقتل للأبد أحلام العودة من جديد، ويدمّر ذكريات وأحلام أجيال سابقة ولاحقة.

لمصلحة من يتمّ تدمير حواضر البشر؟ مخيم اليرموك -كما قال عبد المجيد- لن يكون عند نظام الأسد أغلى، لكنه لم يفصح مع بقية فصحاء النضال، بأن همجية النظام التي طالت السوريين، وأنكرها فصحاء الممانعة، تعني أمرًا ثابتًا: لن يكون هناك تجمعات بشرية بالطريقة التي ألفها المجتمع السوري. اللون الواحد والولاء الوحيد هو الذي يُعاد بناؤه، وعلى أساسه تمّ تدمير سورية من قبل النظام.

سيناريو اليرموك مثل سيناريو تدمر وحمص وحلب وحماة ودير الزور والرقة والقصير والزبداني وداريّا، وكل منطقة كانت لعصابات النظام اليد الطولى فيها، والصورة الحاضرة في الجريمة والوحشية هي تأمين الخروج والتنقل لتلك العصابات، فيما التغيير الديموغرافي والتهجير بعد الدمار، يكون الشاهد المنتصب أمام السوريين، وإذا أعدنا طرح الأسئلة مجددًا لقوى وفصائل فلسطينية، عن المستفيد من قصف المخيم، وتدميره، وتهجير سكانه، وقتل المئات منهم تحت التعذيب، واعتقال الآلاف في زنازين لا يحلم ذووهم بزيارتها أو السؤال عنهم؛ فإن المستفيد بالتأكيد هو من يتمتع باحتلال هضبة الجولان وفلسطين؛ حيث إن جواره محكوم بفاشية مطلقة، تركت له هوامش مناورة واسعة.

السيناريو ذاته يُطبّق: تهجير وتطهير عرقي، شهدته مدن وقرى وأحياء سورية أبيدت فيها عائلات بأكملها، وسيطر النظام على معظمها، فيما بقيت تلك المدن والأحياء وذاكرة السوريين مستهدفة، حتى لا يُعاد جمع رواية المعاناة والتمرد والثورة. ولم يعرف الطاغية بعدُ أن جرائمه تركت ملايين الأسباب، لملايين الثورات عليه وعلى نظامه، ليس في اليرموك وحسب، بل في كل بقعة سورية وعربية يسكنها حرّ.

مقالات ذات صلة

إغلاق