تحقيقات وتقارير سياسية

التفتيش عن الكيمياوي والقاتل يذخر سلاحه

 

جميع الخلاصات والبيانات، التي انتهت إليها تقارير منظمة حظر السلاح الكيمياوي، مع تقارير محلية ودولية، منذ ستة أعوام، منذ تنفيذ مجزرة دوما الأولى 2013، تفيد بمسؤولية بشار الأسد وأركان حكمه عن تلك المجازر، إضافة إلى مسؤوليته عن مقتل الآلاف ضمن “أفران بشرية”، كشفت عنها صحف أميركية وغربية موثقة بعديد من الشهادات المروعة؛ ما دفع الأمم المتحدة إلى وصف سجن صيدنايا بـ “المسلخ البشري”، وبمكان لإبادة الجنس البشري. وفي شباط/ فبراير من العام 2017، نشرت منظمة العفو تقريرًا بعنوان (المسلخ البشري: عمليات الشنق الجماعية والإبادة الممنهجة في سجن صيدنايا)، قالت فيه إن النظام أعدم 13 ألف شخص شنقًا، على مدى خمس سنوات.

في واقعة المفتشين الدوليين في دوما، وفبركة السماح بدخولهم من عدمه، يتأكد كل لحظة العبث الأخلاقي والإنساني والسياسي بعذابات السوريين، وبمسرح الجرائم الكبرى، فإذا كان المسلخ البشري دليلًا غير قاطع على جرمية النظام المطلقة؛ فكيف يعقل الانتظار للتحري عن واقعة استخدام السلاح الكيمياوي، فكلّ الجرائم في سورية، من التهجير والإبادة إلى القتل الجماعي والرقص على الجثث المبقورة والمحروقة، لها شاهد زور، ضمن معظم دوائر السياسة الغربية والأميركية التي كشفت بدورها عن واقعة “أفران الأسد البشرية”.

لم يزل المجرم في قصره طليقًا، يمارس، صباح ومساء، هوسه الأبدي في إزهاق أرواح سوريين، وما يزال المجتمع الدولي يقدم لملايين الضحايا ذرائع وأسباب الموت دون حماية المدنيين. هناك شبه اتفاق بين السوريين على أن مرحلة جديدة من الصراع كُتبت عليهم، وأن ملامحها بدأت بالتشكل، في ظل مواصلة التراخي الدولي والعربي مع مهمة القاتل في دمشق، وازدياد نفوذ السيطرة الوحشية، وتشديد هجمته على باقي المناطق، وهكذا في ظل الملامح والمؤشرات تتجه رياح المرحلة المقبلة، في ظل الاختلال الكبير في موازيين القوى، بين معسكر فاشية النظام وبين الشعب السوري وبين القوى الدولية التي تثبت انعطافة بالغة الأهمية، من الفشل الأخلاقي والإنساني والسياسي لجهة حماية المدنيين السوريين.

إغراق السوريين ومن خلفهم المجتمع الدولي، بقضية جانبية تصوّر الجهد بالبحث عن أسلحة جرائم الأسد، فيما الضحايا فاضوا على البحار والمحيطات، وفوق الأرض وتحتها، وهي تضمن جميعها، ليس الإشارة إلى القاتل، بل محاصرته ومحاكمته على أصغر جريمة لها علاقة بحصار المدنيين وتجويعهم، فما بالنا بمئات الآلاف من الجرائم، وبالذين قضوا تحت التعذيب وتحت البراميل المتفجرة، بما يفوق ضحايا هجمات الكيمياوي آلاف المرات، أي أن الذي أثبتته جرائم الأسد غير الكيمياوية، هو أن تناقضًا وتعارضًا حادًا بين الأسد وشركائه والمجتمع الدولي من جهة، وبين الشعب السوري من جهة أخرى، قد ظهر في فهم الخط الأحمر لمسائل الإبادة “المسموح” بها للأسد الصغير، باتجاهات لا تلتقي أبدًا مع خصائص الفزع من القتل الكيمياوي، لكنها تلتقي مع غيره حتى لو بلغ عدد الضحايا مليونًا أو أكثر.

حتى لو كررت المنظمات الدولية يقينها ومعرفتها بمسؤولية النظام عن استخدام السلاح الكيمياوي، أو كشفت عبث موسكو والنظام بمسرح جرائم الكيمياوي، فكيف سيكون الرد على جرائم مقتل الآلاف في مسالخ الأسد البشرية، لن يكون هناك سوى تضخيم وتعسيف سياسي وأيديولوجي، يوظفه القاتل كل مرة ليتأهب من جديد لتذخير سلاح جريمة جديد، براميل تجهز وصواريخ وفرق من الإرهابيين المحليين والمستوردين، يرفعون راياتهم في أزقة وحواري مدن سورية، يستعدون لجولة سفك الدم، تحت سمع مهزلة سماح الدخول إلى دوما، والقاتل يهزأ مجددًا من شرفة القصر المطل على مسارح جرائم متضخمة.

مهما قيل عن السفاح، من عدم أهمية إزاحته من قبل المجتمع الدولي، ومهما قيل من تفاصيل؛ فإن الصراع الطويل للسوريين يدور حولَه، وحول وظيفته في الطغيان والاستبداد والفساد المتوجين بجرائم العصر، والمتوهجة بآلاف الأدلة وبملايين الضحايا. كل ذلك مساومات رخيصة؛ ليقبل السوري بأبد الطاغية، ومنطق التاريخ يأبى ذلك.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق