تحقيقات وتقارير سياسية

من فلسطين إلى سورية… الشعب مصدر الأمل الوحيد

 

يدفع المدنيون والأبرياء في سورية ثمنَ فصول الإجرام الأسدية، بأغلى ما يملكون: حياتهم ومستقبلهم، في ظل تواطؤ عالمي مع المجرم وداعميه الدوليين والإقليميين، لدرجة تزول معها الخطوط الفاصلة بين معسكر داعمي الأسد، ومعسكر أصدقاء الشعب السوري، وكأنهم جميعًا متحدون حول هدفين متكاملين؛ يقوم الأول على سد دروب الثورات والحركات الاحتجاجية العالمية، حتى تصل الشعوب إلى مرحلة التسليم والخنوع، والاستسلام المطلق لإرادة حكامها والقوى المركزية العالمية، بينما ينطلق الثاني من إنكار وطمس قيم العصر الإنسانية، وإعادة الاعتبار لمنطق القوة المنفلتة؛ والتحرر من أي اعتبارات أو قيم تحد منها، وتنظمها وتتحكم بها وتلجمها.

غير أن الوضع السوري ليس وحيدًا في ذلك، بل تتعدد المناطق والدول التي تشهد جرائم الأنظمة بحق الإنسانية، من ليبيا إلى اليمن، مرورًا بالعراق، وليس انتهاء بفلسطين؛ الأمر الذي أجج مشاعر العجز والإحباط واليأس، في الأوساط الشعبية الباحثة عن حريتها واستقلالها، وازدهارها الشخصي والوطني. لقد كشفت الأحداث الدامية في منطقتنا كذب المجتمع الدولي، ومدى نفوذ قوى الإجرام، والرضوخ لمنطق القوة، على حساب منطق الحق. ليوضع الحق الفردي والجماعي وحيدًا أمام مصيره المجهول، في مواجهة آلة القتل والتدمير، وفي مواجهة حصار الموت؛ ما أعاد تكريس وتعزيز نمط الحكم الشمولي والاستبدادي والقمعي والدموي، وكأنه جزء لا يتجزأ من قيم العصر.

حيث تعبّر مجمل هذه الدول عن الصراع الرئيس ذاته: صراع الحق والظلم، صراع الماضي والمستقبل، صراع الحرية والأسر، صراع القوى المنتجة وقوى النهب، صراع التطور والتخلف، صراع الشعب ومحتليه الداخليين أو الخارجيين. بينما نجد أن هناك اختلافًا وتباينًا كبيرين، في التفاصيل الدقيقة واليومية السورية والفلسطينية، وبين مختلف الدول المضطهدة، التي تشهد محاولات من أنظمتها لإركاع الشعوب، وإعادتها إلى حظيرة الاستبداد. وهو الأمر الذي يمنع عقد مقارنات نوعية بين أي منهم، سواء في مقارنة حجم الإجرام المرتكب، أو مقارنة أسلوب النضال الأمثل.

أدّى إجرام وهمجية الأنظمة المحلية والدولية، إلى تصاعد الأصوات السورية والفلسطينية، التي تعبّر عن هزيمة الشعوب، وعن عدم وجود أي سبيل لتحقيق أهدافها وغاياتها. وبالتالي تنادي بحتمية استسلام الشعوب، وعودتها إلى حظيرة الأنظمة، من أجل إيقاف شلال الدماء، والتقليل من تبعات التآمر الدولي. إلى أن خطت الجموع الفلسطينيين، الرافضة لمسار الاستسلام والخنوع، دربًا جديدًا دون سابق إنذار، مطلقة مسيرة العودة في الذكرى الـ 42 ليوم إحياء يوم الأرض، ومن داخل قطاع غزة المحاصر. هذا القطاع الذي يعيش أحد أسوأ الأوضاع الإنسانية والمعيشية، التي تنضح بالتشاؤم والخذلان والنكران، نتيجة لحصار الموت والإذلال، المفروض منذ العام 2004، من قبل الاحتلال وحلفائه العرب والفلسطينيين.

وكأن مسيرات العودة هذه، رسالة موجهة لشعوب العالم أجمع، تقول إن صمت الشعوب وتواري نضالاتها لفترة زمنية، هو الطارئ والدخيل على تاريخ الشعوب، وإن كانت ضرورة لوجستية ونفسية ومادية لها، كي تستعيد زخم نضالاتها في أقرب فرصة ممكنة. ومثلما وجد الغزيون اليوم مخرجًا مناسبًا، لعودتهم رقمًا حاسمًا يصعب تجاوزه، سوف يجد كذلك السوريون ونظراؤهم من الشعوب المظلومة، الزمان والمكان المناسبين، من أجل استعادة نبض ثورتهم الوطنية.

بينما نستطيع، منذ الآن حتى عودة زخم الثورة السورية، التمييز بين فئتين في الأوساط المحسوبة على الثورة: الأولى هي فئة الانتهازيين واللامبدئيين، الذين أعلنوا توبتهم عن الثورة، وسارعوا للتذلل والاستسلام للقوى الغاشمة؛ ومعظمهم من الأشخاص الذين أيّدوا الثورة، بعد أن تيقنوا من فقدان النظام سيطرته على معظم الأراضي السورية، وتوهموا أنه يفقد التأييد الدولي. وعلى ذلك؛ فهم ممن لم يراهن لحظة واحدة على قوة الشعب، بل كانوا وما زالوا من المراهنين على الطرف الأقوى عسكريًا وسياسيًا. أما الفئة الثانية فهي غالبية الشعب السوري الثائر، ممن لم يفقد الثقة والإيمان بقدرات الشعوب، وبإرادتها الصلبة، التي سوف تكسر الجليد الراهن عاجلًا أم آجلًا. والعازمون على تصحيح أخطاء الماضي، من أجل تحقيق أهداف الشعب الوطنية. تلك الأخطاء التي سمحت للانتهازيين سابقي الذكر، بتسلق الثورة والتحكم بها، حتى نجحوا في استدعاء مختلف التدخلات الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى القوى الجهادية والمتطرفة، التي عملت سوية على حرف الثورات، وامتطائها من أجل تحقيق مصالحهم الضيقة الفردية والدولية.

وعلى ذلك؛ فمن حق الشعوب الرازحة تحت القصف والقتل والحصار، أن تبحث آنيًا عن أي حل يحفظ حياتها. فحياة كل مدني، صغيرًا كان أم كبيرًا، هي القيمة العليا التي يجب أن تخاض من أجلها جميع الصراعات السياسية. وبالمقابل فإن من حق الشعوب على قواها وناشطيها السياسيين، ومثقفيها الثوريين، العمل منذ الآن على كنس جميع العوالق السياسية والعسكرية، التي شوهت وأضرت بنضالها، وتهيئة المناخ الفكري والسياسي الأنسب، كي تتمكن الشعوب من اختيار قياداتها الوطنية المخلصة، على أسس واضحة ومحددة، تحول دون عودة القوى المضادة للثورة، والباحثة عن مجدها الشخصي، أو مراكمة ثرواتها المالية.

الثورة السورية لم تُهزم، تمامًا كما لم يهزم الشعب الفلسطيني، بالرغم من كل الألم والصعاب الموجودة اليوم، وستبقى الثورة مستمرة حتى تحقيق الأهداف الوطنية والمستقبلية السورية والفلسطينية، التي ما زال العديد من السوريين والفلسطينيين يعبّرون عنها، ويبحثون عن السبيل إليها، بشتى الطرق الممكنة، إعلاميًا وميدانيًا وسياسيًا. وإنما تعبّر المرحلة الراهنة عن هزيمة الانتهازيين والمتسلقين الممثلين لمصالح داعميهم، والذين عرّتهم الثورة والأحداث السورية؛ ما سوف يحول دون تسلقهم مجددًا على أكتاف الوطنيين السوريين، بعد استعادة الثورة السورية لزخمها وحيويتها.

في المحصلة؛ نجد في جميع التجارب الثورية، العربية والعالمية، الراهنة والتاريخية، أن حركة وإرادة الشعوب، هي مصدر الأمل الوحيد، وهي صانع التغيير الوحيد، وأنها الوحيدة القادرة على مواصلة النضال، عاجلًا أم آجلًا، مهما بالغ واستفحل المعتدون في إجرامهم، فالشعوب تمرض ولا تموت. ولكل شعب ومنطقة ظروفها وحيثياتها التي تؤثر في شكل وتوقيت ومكان الانفجار الشعبي القادم، وإن تشابهت جميعها في الحاجة إلى اصطفاء قيادتها الشعبية والوطنية، القادرة على إدارة فترات التقوقع الثوري، قبل فترات الانفجار الثوري.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق