تحقيقات وتقارير سياسية

مرسوم بشار رقم 10 وقانون “الحاضر الغائب”

سيكون من السذاجة فهمُ مرسوم رئيس السلطة في سورية، الذي عُرف بالمرسوم رقم 10، على أنه يختص بإعادة تنظيم العقارات السكنية وسواها، من أجل تجديد تنظيم العمران في المدن والبلدات التي دمّرتها قواته والقوات الإيرانية وملحقاتها الفاشية الطائفية. وفي ظروف ما تزال الحرب فيها على الأرض السورية مستمرة ومتنقلة، على الرغم من اجتياح القوى الفاشية مساحات واسعة من البلاد، يبدو أن شعار “إعادة الإعمار وتنظيمه” ستارٌ لإخفاء الأهداف الحقيقية من المرسوم المذكور. ومما يكشف عن عملية التلاعب تلك، ما جاء في شروحات المرسوم، من ناحية واجبات أصحاب الأملاك للقيام بتأكيد ملكياتهم القانونية لها، والمدة التي يجب عليهم خلالها التقدم بالأوراق الثبوتية للدوائر البلدية المختصة.

يضاف إلى ذلك البند الزمني، الذي حدد مدة شهر واحد لتقدم المواطنين السوريين بثبوتياتهم، وهو زمن قصير جدًا، بالنظر إلى أحوال وظروف المهجرين واللاجئين والملاحقين المطلوبين أمنيًا؛ إذ إن السوريين، بتجربتهم، يعرفون دور الأجهزة الأمنية في تصريف الأمور الإدارية المتعلقة بالملكيات العقارية، فبإمكان تلك الأجهزة وضع إشارة حمراء على كل معاملة ورقية، تفرض الامتثال على الإدارات البلدية، خوفًا من الحساب الذي لا تتورع عنه مخابرات النظام، وهي متغلغلة في كل الأحوال داخل مكاتب البلديات في أرجاء سورية، ولا سيما العاصمة والمدن الكبرى.

وكما هو معروف، لدى المطلعين على مجريات وضع الملكيات، وعمليات السطو عليها خلال سنوات الحرب من قبل الشبيحة والضباط ورجال المخابرات، فهؤلاء يحتاجون إلى “تشريع السرقة” التي قاموا بها، ليوسعوا دائرة حيازاتهم وملكياتهم، وليحسِّن بعضهم مكان سكنه، وليشغل محال تجارية يملكها سواه، ويقوم باستثمارها. فأعداد كبيرة من السوريين تركوا منازلهم وممتلكاتهم، وانتقلوا إلى المدن والمناطق “الآمنة”، ليتجنبوا الموت والكارثة. وهذا يعني أن المرسوم جاء ليثبت “السطو والسرقات” التي قام بها رجالاته وأفراد مؤسساته الأمنية والعسكرية وأصحاب الحظوة لدى أجهزة المخابرات “المرضي عنهم”، كموالين لسلطة الطاغية. نحن هنا، وفق المرسوم رقم 10، أمام تثبيت سطو على الأملاك، وتحويلها إلى ملكية “شرعية”، وما يتبع ذلك هو الأخطر والأشمل، فكذبة إعادة تنظيم المدن والبلدات، ليست أكثر من خدعة، لاجتياح أملاك الشعب السوري الذي اقتُلع من أرضه، أو فرَّ منها خوفًا من بطش أدوات السلطة. وكما هو معروف فإن أكثر من نصف السوريين هم اليوم، إما نازحون من بلداتهم إلى مناطق أخرى خارج سيطرة النظام، أو لاجئون خارج البلاد. وهؤلاء لن يستطيعوا التقدم بثبوتياتهم التي تؤكد ملكياتهم لبيوتهم ومحالهم وأراضيهم. وإن تأخروا عن المدة المحددة؛ فسيسقط حقهم في استعادة أملاكهم، ويصبحون مقتلعين من أرضهم نهائيًا.

كما لا يخلو توقيت المرسوم، من استدراك لإمكانية تأثير أي حل سياسي، لإنهاء الصراع في سورية، على تجريد “مغتصبي الأملاك” من قانونية وشرعية اغتصابهم، فالمرسوم اللصوصي (10)، يقطع الطريق على حق السوريين، الذين غابوا عن أماكنهم، لأسباب كثيرة، في المطالبة باسترجاع حقوقهم، ناهيك عن تأسيس حالة من الصراع والاحتراب الأهليين، بين “المالكين بالاغتصاب” وبين المالكين الحقيقيين.

سوف نضطر، في هذا الخصوص، إلى التذكير بالقوانين الإسرائيلية، التي شرعنت السطو على أراضي الفلسطينيين، وجردتهم من ممتلكاتهم، وقطعت عليهم الطريق في العودة إلى بلادهم، واستعادة ممتلكاتهم. فثمة تشابه بين الغزو العنصري الصهيوني، وبين الاجتياح الفاشي الهمجي الطائفي لأملاك السوريين، ومحاولة التستر عليه بالمراسيم والقوانين.

لقد ابتدَعت سلطات الاحتلال الإسرائيلية “قانون أملاك الغائبين”، ووضعت تلك الممتلكات تحت سلطة ما يُسمّى “القيِّم على أملاك الغائبين”، الذي هو وحده يملك الحق الحصري بالتصرف بتلك الممتلكات، وبيعها أو تأجيرها لمن يريد، أو السماح باستخدامها من قبل جهات ترتبط بمؤسسات “دولة إسرائيل”.

وللعلم والتذكير، فإن المساحة التي امتلكها المستوطنون اليهود، قبل قيام “إسرائيل”، بشكل قانوني (البيع والشراء) لا تزيد عن 6 بالمئة من مجمل المساحة التي سيطرت عليها العصابات الصهيونية، يوم الإعلان عن قيام “الدولة”، وذلك حسب السجلات المثبتة عند حكومة دولة الانتداب البريطاني. ولكن الدعاية الرسمية في “إسرائيل” تخفي هذا الجانب، وتشجع الدعاية الغبية عن ملكية قانونية، وعندما تتهافت تلك الادعاءات؛ يلوذ المتشددون والمتدينون الإسرائيليون بـ “الحق التوراتي”، ضاربين عرض الحائط بالفكر السياسي والاقتصادي الحديث.

ما يهمنا في هذا الخصوص، أن قانون أملاك الغائبين في “إسرائيل”، عندما واجه عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين حاولوا العودة إلى بلداتهم، من داخل فلسطين وليس أولئك الذين لجؤوا خارج فلسطين؛ رفَض “القيّم” على أملاك الغائبين عودتهم لبلداتهم، وجردهم من حقهم في ملكياتهم فيها، وأصبح هؤلاء يعرفون بصفتهم “الحاضرون الغائبون“. ومع العلم أنهم حازوا -كأقرانهم من الذين لم يغادروا قراهم- على الجنسية الإسرائيلية، دون أن يحصلوا على حقهم في السكن بقراهم وبلداتهم الأساسية.

ولعل التدقيق هنا في شروحات مرسوم بشار أسد رقم 10، يتصل بما يشبه “البدعة الإسرائيلية” التي انبثق منها ما يسمى “الحاضر الغائب”، أي الحاضر بحقه في حمل جنسية الدولة، والغائب بإسقاط حقه بممتلكاته ومسقط رأسه. وكانت “إسرائيل” أيضًا قد حددت فترة زمنية، إن غاب فيها الفلسطيني عن بيته وقريته، حتى داخل فلسطين، سقط عنه حقه بملكياته كلها، بل حقه في العودة إلى بلدته، ليقطن فيها ويعيش، وجدير بالتذكير أن هؤلاء “الحاضرون الغائبون” من الفلسطينيين، تقع قراهم وبلداتهم داخل حدود رقعة الدولة التي أقامها الصهاينة بقوة الاحتلال العسكري.

وعلى ذلك؛ فإن سلطة بشار، بمرسومها الخطير، تضع السوريين الذين غادروا مدنهم نحو مدن أخرى داخل سورية، في حال تشبه حال “الحاضرين الغائبين” من الفلسطينيين. أما من هم خارج سورية من السوريين، فسيكونون أمام عقبات أكبر في العودة لممتلكاتهم، وستكون حالهم كاللاجئين الفلسطينيين الذين غادروا فلسطين خوفًا من مجريات الحرب الصهيونية على حياتهم. بيد أن الفارق بين هنا وهناك، أن سلطة بشار لا تمثل أي شرعية بنظر السوريين وجزء كبير من دول العالم، بينما تمثل “إسرائيل” وجودًا “شرعيًا” بنظر اليهود المستوطنين.

لن تستقر الأوضاع في سورية لمصلحة سلطة الطغيان والإيرانيين والروس، ولن يكون فصل الختام، في المواجهة بينهم وبين الطاغية، كما تريده موسكو وطهران والميليشيات الفاشية التي أنشأتها طهران أو جلبتها إلى الأرض السورية.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق