تحقيقات وتقارير سياسية

فقاعات أميركية وغربية

 

خرج علينا وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، بتصريح مثير مفاده أن واشنطن تأمل أن يكون رئيس النظام السوري بشار الأسد “قد استوعب الرسالة هذه المرة”، في إشارة إلى الضربة الصاروخية التي نفذتها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، ضد أهداف للنظام السوري، وأضاف: هي “ضربة واحدة فقط”، الهدف منها “إرسال رسالة قوية للأسد”. ليست هذه المرةَ الأولى التي يطيّر فيها مسؤولون أميركيون مثل هذه البالونات، فقد سبق لهم أن عمدوا إلى ذلك أكثر من مرة، منذ اندلاع الثورة السورية، وكانت مرحلة الرئيس السابق باراك أوباما مشبعة بتلك التصريحات.

ولكن لأسباب مختلفة لم تحظَ المواقف السابقة بالدرجة نفسها من الاهتمام، مع أنها قد لا تكون تختلف عن بعضها كثيرًا، من حيث الجدية وإمكانات تنفيذ الأقوال إلى أفعال، سوى الفقاعات الصاروخية التي تبخر تأثيرها في اليوم التالي، مع استئناف الأسد وعصاباته وحلفائه مهماتهم في قتل السوريين. على أي حال يُفهم من رسالة جيمس ماتيس، أو إدارته، ما فهمه الشعب السوري قبل ثمانية أعوام عن المواقف الدولية وردّات الفعل، على جرائم استمرت تحت فقاعات سياسة دولية، حملت رسائل دعم وإسناد للقاتل في دمشق، بحيث بات شبه إجماع على أمرين: أولهما القتل في كل الظروف، عدا السارين والخردل الفاضحين، مباح، وهو ما تم “إنجازه” بمليون ضحية. ثانيهما أن فكرة مجابهة الطاغية بعيدًا عن تكرار جمل فضفاضة، لم تكن واردة لحظة واحدة طوال السنين الماضية.

بعدما أدرك المجتمع الدولي أن غاية السوريين وأمانيهم لم تكن توجيه السلاح حتى إلى الطاغية، بل كان مطلبهم رحيله، ومن ثم تقديمه للعدالة الدولية ومحاكمته على جرائم حرب وفظاعات؛ يقوم ذلك المجتمع بتوجيه رسائل متعددة الأشكال والمضامين، تحمل في سطورها مباركة في القتل والإبادة للسوريين، تجعل كلَّ سوري يحس بالإحباط والغصة، بسبب تفويت فرص العدالة والحرية والكرامة، وما يهم في هذا الصدد أن لا يُنظر إلى فقاعة الصواريخ الأميركية على أنها ستنجز حساب التغييرات المأمول على الساحة السورية، وفق المصالح الوطنية للثورة والشعب السوري.

ثوابت المجتمع الدولي، في هذا الأمر، باتت معروفة وواضحة، ولا تحتاج إلى التدليل عليها، ويمكن إجمالها بما يلي:

دعم النظام وتقويته كأداة قمعية قائمة، بعد إضعاف مقدرات السوريين المختلفة.

تقديم النظام بثوب وشكل جديد، بعد الضربة الصاروخية، للانخراط في مفاوضات جديدة مع المعارضة، بهدف تعويم النظام مجددًا.

العمل على تهدئة الصراع مع النظام، من خلال الضغط على قوى المعارضة، طالما أن إمكانات التسوية معه مكتملة، حسب الظروف الدولية ووفق المنظور الروسي والأميركي، أي أن قدرة الأسد على التدمير والقتل والتهجير، باستطاعتها فرض حالة من التفاهم، ولا يفهم من رسالة وزير الدفاع الأميركي ماتيس سوى ما يترجم من مواقف، بخصوص الموقف من النظام برغبة المجتمع الدولي في وظيفته القائمة، خصوصًا بعد ربط التراجع عن بعض الفقاعات المطالبة برحيل الأسد بداية الثورة، مع وتيرة أولى من الجرائم، إلى رسائل قوية لا تطالب برحيله، مع كم هائل من المجازر والضحايا والخراب، وقد جرى التعبير عن بعض هذه الثوابت، بوسائل مختلفة وأساليب متنوعة، بهدف استيعاب الثورة السورية.

من كل الرسائل الدولية أميركية وروسية وغيرها، تبقى “صلابة” القوة والإسناد لفاشية الأسد هي الباقية فوق الجغرافيا السورية، ويبقى الحلف المساند لتلك الفاشية متماسكًا، بينما لا يقبض السوريون سوى فقاعات من مواقف، تقدّم المزيد من أرواحهم على طريق الحرية، ويمكن القول إن دبلوماسية الفقاعات نجحت إلى حد بعيد في محاولتها هذه، وذلك نتيجة اندفاع بعض المواقف وراء عربة المواقف اللفظية للمجتمع الدولي، ماتيس ليس آخرها لكنه أحد مدلولاتها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق