مقالات الرأي

أنا الإرهابي ابن البيئة الحاضنة للإرهاب

(البيئة الحاضنة). ما أحقر هذه العبارة! وما أبشع هذا التبرير للجريمة!

هذه البيئة هي التي وقفت وقفة العز في حرب تشرين عام 1973، وقدمت خيرة شبابها على مذبح الكرامة، وهي التي قدمت 30 ألف شهيد على أرض لبنان، حين فرّ أبناؤه إلى فرنسا وكندا، بعد أن أشعلوا الحرب الأهلية في بلادهم، وهذه البيئة هي التي صمدت أمام أعتى حصار اقتصادي، في ثمانينيات القرن الماضي، أيامَ أصبحت ملعقة السكر حلمًا بعيد المنال، وعلبة المناديل الورقية رمزًا للرفاهية.. هذه البيئة هي التي دفعت ثمن طموح القيادة في الثمانينيات، بمسألة التوازن الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني، فاستوردت “القيادة الحكيمة” كل خردة الاتحاد السوفيتي العائدة للحرب العالمية الثانية.. هذه البيئة هي التي وقفت إلى جانب لبنان عام 2006، وفتحت منازلها لاستقبال اللبنانيين ضيوفًا أعزاء مكرمين.. هذه البيئة التي احتفلت وذبحت الخِراف والجمال، بمناسبة البيعة للرئيس الشاب الحضاري الذي كان من المأمول أن ينقل البلاد إلى المكانة التي تستحقها بين الأمم.

هذه البيئة هي التي نصّبتم أنفسكم قادةً عليها، دولةً ومجتمعًا، وتركَت لكم السيطرة على كل مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية، خمسين عامًا؛ فأخذتم الأطفال براعم إلى معسكرات “طلائع البعث” الذي مرّ على تأسيسية أكثر من ستة عقود، دون أن نعلم ما هي رسالته الخالدة، ثم إلى “شبيبة الثورة”، وبعدها إلى مقارّ الحزب الذي لم يكن سوى مرجعية لأجهزة الأمن والاستخبارات. هذه البيئة التي مارستم عليها كل أشكال القهر والذُل والهوان عقودًا، وصمدت أملًا بأن تتبدل الحال، هذه البيئة التي اضطرت إلى الهجرة والعمل في المغتربات، بعد أن ضيقتم عليها فرص العيش الكريم، لتفرضوا عليها ضريبة القهر (ضريبة اغتراب)، فكنا كل عام، نستقبل جنازات ذوينا تعود من دول الاغتراب معطرة بعرق كدحهم ومعاناتهم.

أيتها السيدات والسادة، هذه البيئة ليست مسؤولةً عن تعيين حسن مخلوف، سنين طويلة، رئيسًا للمكتب السري للجمارك، ليقوم ببيع الحدود للمهرّبين، من تجار السلاح والمخدرات والأدوية الفاسدة والأطعمة منتهية الصلاحية. هذه البيئة ليست مسؤولة عن فساد ضباط الجيش الذين كانوا يبيعون الإجازات ويسرقون تموين الجنود، ويخوضون بينهم الحروب على أحقية أحدهم بحيازة سيارة (جيب واز) ليلة أمام منزله. هذه البيئة ليست مسؤولة عن تعيين السفلة وزراءَ وسفراء ومديرين عامين، الذين نهبوا البلاد وأفقروها، متظللين بصور القائد المفدى مؤسس الفساد وراعي الفاسدين فوق رؤوسهم. هذه البيئة لم تكن تعلم كميات نفط البلاد وموارد البلاد، ولا أين تذهب، ولا في أي بنك تختفي.. هذه البيئة التي كانت تزرع القمح والزيتون والقطن والخير في أرجاء البلاد، وترسله إلى خزينة الدولة.

أنا الإرهابي ابن البيئة الحاضنة للإرهاب الذي خرج عام 2011، مطالبًا بقليل من الكرامة وحفنة من الحرية، بعد ذُلّ عقود؛ فاتهمتموني بالعمالة والإرهاب، وكان الرصاص الحي في انتظاري. وتمّ تحويل المشافي إلى مراكز تعذيب، والمدارس إلى معتقلات، والقطعات العسكرية إلى مراكز رجمٍ للمدن والقرى، بالصواريخ والقذائف، أنا اليومَ في القبر والمخيم والزنزانة ودول التشرد، ثمنًا لصبري عقودًا طويلة.

نعم، أنا من احتضنكم خمسين عامًا، فكنتم أبشع إرهاب في التاريخ، تدكّون المدن بالطائرات والصواريخ والمدفعية.. يا لجبنكم ويا لعاركم! أعياكم قتلنا، فجلبتم من يقتلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق