تحقيقات وتقارير سياسية

سورية المحتلة في ذكرى الاستقلال

من الأمور الصعبة، قراءة فسيفساء الاحتلال المتعدد لسورية، في ذكرى الاستقلال هذه الأيام، فهي أقرب إلى كلمات متقاطعة لكن بلغات مختلفة: روسية وإيرانية وأوزبكية وطائفية، عبرية وإنكليزية، فمسرح السياسة والميدان السوري مزدحمان بالمحتلين، ويشهد لذلك تفاعل حقائق كثيرة ومداخلات إقليمية ودولية، استهدفت جميعها النيلَ من حرية واستقلال السوريين الذين يشهدون صراع قوى متناقضة ومتحالفة على قضيتهم الوطنية، مواجهة مركبة وبالغة التعقيد أمام الشعب السوري، لواقع تحررهم من هيمنة الطاغية ودحر حلفائه المحتلين. ويكون من باب التبسيط الغبي فصلُ عناصر الاحتلال المتعدد الأوجه لسورية، عن مأساة الاستقلال والحرية والسيادة المخترقة التي جعلت من سورية ساحة مجابهة ساخنة.

ينفرد المجتمع السوري، من بين المجتمعات العربية، بأنه الوحيد الذي تعرّض بناؤه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديموغرافي للضرب العميق، ولمحاولات تغيير وتطهير عرقي مستمر على أيدي نظام فاشي مستبد، بمساعدة قوى محتلة لأرضه، حوّلت كل رموز الاستقلال ومعانيه ومراميه إلى مسخرة واستهزاء، يُصوّر سفاح السوريين وهو ينعم بتحرك داخل حدود العاصمة وبين جدران قصره، أو عند حطام مدن وبلدات السوريين، وموكبُ تحركه تحميه قوى الاحتلال المتشعبة، فيما مواكب تهجير السوريين، برعاية قوى الاحتلال التي تحمي سفاح سورية، تنجز بعض مهمات الاحتلال، وتقض مضاجع الاستقلال الوطني.

في السنوات السبع الماضية، غيّرت الهزات العنيفة والكارثية جزءًا ليس بسيطًا من معالم الجغرافيا والديموغرافيا السورية، إذا ما قيست بسنوات الاستقلال والجلاء عن المستعمر الفرنسي، قبل سنتين وسبعة عقود، فقط نظرة واحدة وكلية إلى فترة المستعمر الفرنسي والاستقلال، والفترة التي حُكمت فيها سورية من قبل العصابة الحاكمة، وصولًا إلى اندلاع الثورة واستعانة النظام مجددًا بقوى الاحتلال لمساندته في ترسيخ مفهوم الاحتلال الأبدي للعائلة الحاكمة لتطلعات الشعب السوري، تؤكّدُ عدم الاستخفاف بالجهود التي بذلها الأسدان الابن والأب، لإبقاء سورية تحت احتلال حكم العائلة، وسيطرة قوى الاحتلال كواجهة لتبادل المصالح والأدوار.

لم تتقدم وتزدهر بنية النظام المفضوحة، على صعيد تقزيم تاريخ الاستقلال السوري، سوى من خلال النيل من استقلال سورية عن المستعمر، فكل رموز ورجالات الاستقلال والنضال الوطني السوري اختُزلت في “سورية الأسد”، من ثم أصبح كل التاريخ في جيب الوريث الصغير، كحامٍ للعروبة وللمقاومة وللشعارات وللسيادة، لتبقى الدولة القديمة للنظام حاجة نفسية يحكم باسمها، ويقاد قطيع المجتمع إلى مذبحه، من خلال إقامة جهاز إخضاع شامل خدمة “للقائد وابنه ونسله”، على ما يفعل القطيع الراقص في الساحات، شابكًا يديه مع المحتلين الباصقين على استقلال الوطن.

أين سورية اليوم من الجلاء والاستقلال، في ظل الاحتلالات المتعددة الجنسيات والمصالح، التي تستثمر جميعها في طاغية السوريين؟! لا يخفى أيضًا أن بيانات قوى الاحتلال المتعددة تذكّرنا أن هدفها هو الحفاظ على سفاح السوريين، بيانات صدرت من قوى الاحتلال الروسي والإيراني والإسرائيلي والأميركي التي تساند الأسد بشكل مباشر، أو تلك التي تدّعي دعمها لعذابات السوريين، لكنها تضفي صفة “الضرورة” على وظيفته التي تقوّض في حقيقتها أن ينعم الشعب السوري، بحريته واستقلاله من الطاغية والمحتل.

بقي مفهوم الاستقلال الذي أسسه رجال سورية الأوائل مطموسًا ومغمورًا، في عهد البعث منذ خمسة عقود، استطاع فيها أن يطمس مقومات الحرية والديمقراطية، وبقيت المفاهيم والشعارات التاريخية قاصرة عن التأثير في حياة السوريين لنصف قرن بعد الاستقلال، بل على العكس كان يروج الطاغية الأب أن عهده شهد مرحلة استتباب أمني وسياسي، وهي في حقيقة الأمر، كانت مرحلة اعتقال وموت لمستقبل سورية، أو هكذا توهّم الأب الفذ “للأبد”.

ولعل أسوأ ما تتجلى فيه فظاعة السيادة، رؤية الأعلام والرايات على الأراضي السورية: الفاطمية والزينبية والحيدرية والروسية والفارسية.. كلها تقتل السوريين، بحجة الحفاظ على وحدة واستقلال سورية التي ينعم في جنوبها وهضبتها احتلال، وفي عاصمتها فاشي يتجول في قصره حاملًا حقيبة فيها أوامر قتل المعتقلين في زنازين، وتدمير ما تبقى من مدن وأرياف تؤمن مهمة المحتلين، وفي غربها وشرقها وشمالها، قواعد لمحتلين مع صكوك وعقود طويلة لمقدرات سورية، مقابل حماية كرسي الطاغية، كل ما بقي من عهد الاستقلال السوري، من المستعمر الفرنسي إلى المحتل الأسدي وأعوانه، يفرض إشعال بارود الثورة والاستقلال مجددًا، حتى لو تأخر نصف قرن مضى.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق