أدب وفنون

راكويتز.. من “مطبخ العدو” إلى الثور المُجنَّح

لأنه عراقي، آثر الفنان الأميركي مايكل راكويتز استخدام مواد عراقية الأصل، في إعادة تظهير تمثال الثور المجنح الآشوري، من مخيلته ومخيلتنا، بعد أن طالته يد الفناء واختفى. ولا شك أن حجم الخسارة التي لحقت بالإرث الثقافي الإنساني -بعد تدميره- هي ما دفع راكويتز إلى صناعة النسخة الجديدة من التمثال، مستخدمًا أدوات الفن الحديث في ذلك. ولتكريس رسالة هذا الفن، سعى لكي يجعله يقف -نهاية الشهر الماضي- في ميدان ترافلغار، أحد أهم الميادين العامة في لندن، ليتسنى للعامة رؤيته على مدى سنتين آتيتين.

قد لا نستسيغ فكرة إعادة تشكيل التمثال الأكثر شهرةً وهيبةً وجمالًا، بين المُكتَشَف -حتى الآن- من الآثار الآشورية، من علب عصير التمر العراقية الفارغة، لكن الفن الحديث عوَّدنا على جعل أي غرضٍ، أو شيءٍ نستخدمه في حياتنا اليومية، أو حتى الخردة المرمية جانبًا، مادةً خامًا لتُحَفِه. قد يعود السبب في ذلك إلى أن مفهوم الفن الحديث ما يزال مرتبطًا -بالنسبة إلى كثيرين منا- باللوحات الفنية فحسب، وحكرًا عليها. إلا أن الفن الحديث انعتق، قبل فترةٍ طويلةٍ، من إطار تلك اللوحات، ونبتت له أرجل صار يتجول بها على بقية الفنون، ويتخذ له أشكالًا لم يألفها المتلقي ولم يتخيَّل أن يتبدى بها. ومن هنا، علينا ألا نستبعد من الجهاز الإلكتروني الذي نستعين به هنا لقراءة هذه الكلمات، أن يصبح بعد تعطله، مادةً لهذا الفن، يعيد إنتاجها، أو يقدمها كما هي، يجد فيها قيمةً فنيةً لا تقل عن أي عمل فني صرف آخر.

قدَّم راكويتز -وهو أستاذ نظرية الفن في جامعة نورثويستيرن في شيكاغو- التمثال بصورة مطابقة للأصل، وبإتقان وكفاءة ظاهرتين، متخطِّيًا مفهوم الفكرة التي حكمت بعض اتجاهات الفن الحديث، والتي تكتفي باستخدام الغرض المحسوس والمُدرك، مثل مسننات محرك ميكانيكي، لخلق عملٍ تجريديٍّ يُبقي لك الخوض في إيحائه وفي الفكرة التي تتحكم حواسك وثقافتك بتكوينها لديك. ومتخطِّيًا كذلك تلك الاتجاهات التي تعرض الغرض كما هو، باعتباره فنًا بحد ذاته، كما في المبولة التي عرضها دوشامب باعتبارها، واعتبار فكرتها، فنًّا جادَ به كلٌّ من المصمِّم والحرفي، أو حتى الآلة التي صنعتها. فراكويتز عَكَفَ على تمثال الثور المجنح، بعد تجربةٍ قدّمَ فيها عددًا من الأعمال التي تمثل قطعًا أثريةً، وتماثيل عراقية أخرى، نُهِبت من المتاحف العراقية، أو خرَّبها عناصر تنظيم (داعش) الإرهابي، بعد اقتحامهم الموصل، فصنعها من ورق جرائد ومجلات عراقية.

وليس غريبًا على راكويتز هذا الشغف بالفن والتراث العراقي الذي تطور لديه، حتى اقترب من حالة الهم الذي تبدى في صور أخرى من صور نشاطه الفني والمجتمعي. فقد ابتدع راكويتز فكرة (Enemy Kitchen)، أي “مطبخ العدو” التي بَزغت عشية الاجتياح الأميركي للعراق، سنة 2003، واحتلاله، وأراد له أن يكون مكمِّلًا لمشروعه الفني، عبر ما يباع على هامشه من أشغال يدوية ذات صبغة عراقية. وهي فكرة خرجت لديه بعد أن شغل موضوع العراق الأميركيين تلك الفترة، واستحوذ على اهتمامهم، حين شَيْطَنَ السَّاسة الأميركيون وإعلامهم هذا البلد، بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، وصبغوه بصفة الشر، وصنفوه عدوًّا لبلادهم، محضِّرين الأرضية، ومهيِّجين الرأي العام الأميركي، على مدى سنتين، لتقبُّل حربهم عليه. وتقوم فكرة المطبخ على مناقشة موضوع العراق بطريقة غير مألوفة، تندرج ضمن أهدافها محاولة كسر تلك النمطية التي يتعاطى بها الساسة والإعلام الأميركيون معه، وخلق خطابٍ بديلٍ هدفه تضييق الشق بين العدوانية وتقبل الآخر. وقصد راكويتز الغرابة في تسمية مشروعه “مطبخ العدو”، بدلًا من تسميته “المطبخ الصديق”، على سبيل المثال، كونها التسمية المحببة لمن يريد بيع الطعام. فهو يرى أن التسمية تستفز الناس وتجعلهم يُقبلون عليه وعلى منتجاته، وهو الأمر ذاته الذي دفعه إلى تلوين علم مدينة شيكاغو بلون العلم العراقي.

معتمدًا على والدته العراقية الأصل، جَمَّع راكويتز وصفات عددٍ من الوجبات الغذائية العراقية، من أجل مشروعه الذي رأى النور أول مرةٍ في مدينة نيويورك. وكان يدعو جمهورًا من الناس العاديين وطلاب الجامعات والمدارس الثانوية لتحضيرها وطهيها ومن ثم تناولها، مستندًا إلى مبدأ أن ثقافة الإطعام هي الأقدر على تعريف الناس على ثقافة الآخرين وعاداتهم، ومفتاحًا لخوض نقاشٍ بطرقٍ جديدة. كذلك، انطلق من حقيقة أن الثقافة العراقية غير معروفة لدى الأميركيين، ولا يطَّلعون سوى على ما يقدمه لهم الإعلام من أخبار يومية، فيحاول مشروعه إظهار أحد أوجه الثقافة العراقية، ونقاش أمور لا يتطرق إليها ذلك الإعلام.

فيما بعد، صمَّم الفنان عربة طعامٍ حمَّلها وصفات وجباته العراقية، وتجول بها بين المدن الأميركية. يستعين تارة، بطلاب المدارس ومدرِّسيهم لتقديم أطباقه عبر ورشة يشارك فيها الجميع، وتارة يستعين بالمحاربين القدماء الذين شاركوا في غزو العراق، لكي يصبغ على النقاش الذي يجري أثناء العمل أو تقديم الأطباق وتناولها، مسحة من حقيقة غُيِّبَت تفاصيل كثيرةٍ منها. كما يشارك في مطبخه الذي أصبح أشبه بورشة عملٍ، أناسٌ من أصولٍ عربيةٍ وعراقيةٍ، من أجل إغناء النقاش في المواضيع السياسية والثقافية والاجتماعية والتاريخية وتبادل الأفكار. كما جرى الاتفاق على أن تُركَن العربة في ساحة متحف الفن المعاصر في شيكاغو، لتقديم وجباتها للجمهور مجانًا، أثناء المعارض التي ينظمها المتحف، ولبيع بعض القطع الخاصة بالطبخ، وأسطوانات الموسيقى التي تستوحي الروح العراقية.

مُحمَّلًا بهمّ الشرق الذي تُدمَّر حضارته هذه الأيام، يعكف راكويتز حاليًّا على إعادة إحياء بعض القطع الأثرية التي نُهبت من المتاحف أو المواقع الأثرية السورية، أو دمرها (داعش). ولحسن الحظ أن الفنان يعتمد الفن الحديث في شغله، مبتعدًا، بالطبع، عن شرك صناعة نسخةٍ طبق الأصل. فاستخدام مواد من الحياة اليومية تجعل العمل أقرب إلى عين المتلقي، وتعطي الانطباع عن فداحة الخسارة التي مُنيت بها الإنسانية، بفقدانها هذا التراث البديع الذي لا يُكرَّر.

مقالات ذات صلة

إغلاق