أدب وفنون

ستكونين امرأةً جميلة

 

أصيرُ الصدى الذي تتركه الأغنيات بين الجبال، الملح خلف خطوات الرعشة، ألمع كما الأمنيات في حلق المشنقة التي لم يسمح لها الموت بقبلةٍ صغيرة.

فوق فمي شاهدة قبر موحلة، علاّقة ملابسٍ تتأرجح في نظرتي.

مرّت مراهقتي ولم أفك أزرارها، أحدهم قادني إلى مخبأ فتعلّمتُ الأبجدية الأولى لعينيكَ.

وعندما بدأت المفارق تخطّ جسدي بلعابها، أحدهم غافل سعادتي وسرق جديلتي.

وفي ليلةٍ مقمرةٍ قديمة، رقص عَرَق جسدي مع موسيقى غريبة، فضممتُ الوسادة إلى صدري وقبلتُها.

تبعني سؤالٌ غامضٌ إلى غرفة أمي، كانت ترتق فستاني الأزرق، همَستْ في أذني كأني خيط إبرتها: ستكونين امرأةً جميلة.

كنتُ تربةً صالحة لبذرتكَ أيّها الخوف، زرعوني جيّدًا وسوروا بظلالهم المستقيمة مسرح أغنياتي، وضعوا في خيالي فزّاعةً صدئةً، ومزقوا الفيء تحت عينيّ بسكاكينهم، ودقوا مسامير حكاياتهم بين أصابع قدمي، لأصير خيمةً لعائلتكَ الكبيرة.

عندما جاءت الحرب، تهتُ وشردتُ وصرختُ كأمٍ تبحث عن طفلها بين الأنقاض، ذابت في دمي شمعةً وأنا أنادي اسمي، رجعتْ غريزتي إلى الجذر، نبشتْ عميقًا في جسدي، عن عشبةٍ، ورقةٍ، كتفٍ، يستر بحّة صوتي، عراء أمومتي، لم يكن هناك أحد.. الماضي كُتِبَ باسمكَ أيّها الخوف، وترك لظهري المنحني شوكةً تطلُّ على البحر.

لا يلمح الطبيب النفسي حركتي الفاترة، إنّه يصغي إليكَ ويكتبُ، وفوق رأسه تتدلى لوحةٌ لبرتقالة يابسة.

لا يد في طفولتي أسندُ إليها وجع صديقي في شوارع حلب القديمة، ولا موّال يرنُ في الأفق، أركض وراءه كطعنةٍ وأطمئن.

كيف لي أن أعيش الحرب، وقد علموني سلفًا أن أصير خيمة؟

قل لي، أيّها النهر! إلى أين أعود عندما يشكل الخوف ملامحي، ويطردني من بيتي في ساعة متأخرةٍ من الليل؟

وعندما أفركُ حلمة نهدي وأشتهي ثمرةً بين الضباب، أي ذاكرةٍ سأقرأ؟

وأيّ حضنٍ سيلمّني والمطر يتساقط مع دمعي ورائحتي تغادرني مع رجلٍ لا أعرفه.

أحدهم كتب لي رسالة عن الحب والحرب، قرأت سطور الحب كخبر عاجل يقول إنني سأموت بعد قليل.

بعد كل شيء، بعد الأخطاء التي ليست من صلبي، بعد أن صارت الحرية تهتزُّ في رحمي، كنعشٍ فوق كتفٍ وحيد، ستذهب اليدُ التي أكتب بها إلى امرأةٍ أخرى، وسيبقى في منامي ذاك الساحر العجوز، يجلس أول البلدة المهجورة وحيدًا، يُخرج من قبّعته أرنبًا ومناديل ملونة ويضحك.

ستصير الرغبة حاجة، والوحدة خليّة شاذّة تضرمُ النار في الأسرّة، سيصير للندم ورقة وقلمًا، وللضجر فناجين قهوة برّاقة.

بعد كل شيء، أيّها الخوف، أعطني أسنانكَ لأهربَ بها وأدفنها بعيدًا في البراري، البراري التي علَمتني أن أقطف فمي للزهرة، وأُغرق أقراطي في رحيق الظهيرة الثقيلة.

على طريق المطار نبتةٌ خضراء استطاعت أن تنمو وسط البيوت المهجورة.

نبتةٌ خضراء ساعدت الطريق على العبور وسط البيوت المهجورة.

أحسد الطبيعة التي لم تتدخل في تربيتها أيّها الخوف.

بعد كل شيء، أنا وأنت وجهًا لوجه، اغرسْ أظفارك في لحمي النيئ، هل تتذكر هذه اللعنة؟

ذقْ دمعي وأنتَ تلمّع نياشينكَ وحذاءك وسوطك بغبار الراحلين.

تذكر شامة ظهري فوق العشب، وأنت تبني سجونًا فوق الجبل.

ضع يدك الخشنة فوق يدَي أمي المغلقتين في صورة زفافها.

وأنت تحلق ذقنك صباحًا وتغني للضحية، اسمعْ كيف يردد المنتحرُ صوتك ويرغب في الهواء.

تعال لأعرفكَ إلى أمومتي، أيّها الخوف، قطعوا تنهداتي بين الشجر وأدخلوها سردابَا كبيرًا، سمته أمي وهي “تلضم” الخيط في الإبرة، وترتق فستاني الأزرق “المرأة”.

اترك الخرافة والقناص والضفاف والحدود وتعال معي، اسمعني كصديق مرة واحدة.

هذا هو الطريق إلى بيتي، صداع خاو تتجول فيه الحواس مخدرةً.

سلم بيتي، مرفأ للزوال والإيماءات والحبال السرية المقطوعة.

وهذه مكتبتي الحقودة، تنصحني دائمًا لو أشتري ماكينة خياطة كأمي، وأغني للجدران كي تنام.

هذا سريري، زنزانة منفردة لأحلام اليقظة.

وهنا هنا أيها الخوف، وراء هذه الطاولة أجلس وأكتب عنكَ كل يوم.

أرسمُ أنفكَ وفراشات ميتة فوق ركبتي.

أن تكتبَ وأنت ملامح، أن تقبّلَ كجناح مكسور، أن تمشي بظلٍّ لغريب شارد، أن تتأكد من البثور داخل مرآتك، ومن تمثال محنّط يحدّق في ساقيك، أن تشي للخزانة عن أهلك الذين مزقوا راياتهم بين الجبال، وجثوا مسعورين، من أن تتحول الصخرة إلى أنياب البلاد التي رأت صورتكَ أيها الخوف في بطاقتها الشخصيّة، فصنعت من هتافاتها امرأةً لقصرك، كي تتزوج وتنجب وتعيش بيننا سالمًا غانمًا.

هذه أريكتي تفكر بشكل آخر لستارة الصالون الملونة، تقلب النباتات فوق شرفة جارتي وتفكرُ معي بدوران أقلّ للأرض.

وهذا الدفتر الأزرق في الزاوية، هو يومياتي، أيها الخوف، قبل سنة كتبت:

“المصافحة التي مرّت على عجل تركت ساعة يدها في قلبكَ ومضت، والزهور التي مددت يدكَ صوبها بنعومةٍ، كنت ستشتريها، لكنك اكتفيتَ باشتهائها، خفتَ من الجمال وطويتَ يدكَ في جيبكَ بخفة.

في إبريقك الزجاجي فوق الطاولة تغرقُ لمستكَ الآن.

تنام، وعلى ظهرك نتفُ عشبٍ، لقد ترك الموت في قلبك وصيتهُ قبل أن تموت.

تعود من الحانة متأخرًا وبيتك لا يفتح لكَ الباب.

كل صباح… كل مساء، وعندما يرتعش الماضي في قلبي، أحدهم يزحف إلى ساقي، ويشير إلى النافذة”.

أرأيتَ أيها الخوف؟

أنا لا أكتب إلا عنكَ.

في هذا الممر عشت سنوات الحرب، زينتُ جدرانه بأطباق من القش، كي لا يصدقكَ مثلي ويقتنع أنّه ليس سوى ممر.

وهنا، قرب السرير دِرجٌ يخصكَ أنتَ وحدكَ أيّها الخوف، إنك تحفظه عن ظهر قلب أكثر مني، حبوب المنوم الزهرية الصغيرة، شريط حبوب الصداع، علبة بنيةٌ للهلع، مكتوب فوقها بخطٍّ مترددٍ “عند اللزوم”، وهذا الشريط يلزم تناوله على الريق، أي عند اكتمالكَ في حلمي، وهذه، هذه الكبسولة البيضاء أيّها الخوف، التهمها كما لو كنتُ غريقًا، كلما أشرتَ لي بإصبعكَ، كلما تحركتْ عظامكَ الميّتة في قفصي الصدري.

مقالات ذات صلة

إغلاق