هموم ثقافية

شرف الكلمة المهدور

في الحياة الثقافية التي تعرفها المجتمعات الديمقراطية، تتجلى كلمة “لا” -وهي تقال فيها على مقامات مختلفة، وتستخدم بمعان عدة في ميادين شديدة التباين، فضلًا عن مختلف الظروف والأحوال- بوصفها صنو المثقف، كاتبًا أو فنانًا، لا يمكن تصوّره بمعزل عنها. لكن نظم الاستبداد، التي أطبقت منذ ما يقارب سبعين عامًا على صدور البشر والحجر في العالم العربي، حرّمت وجودها شكلًا ومضمونًا في مجتمعاتها، وكان السجن أو القتل نصيب كلِّ من يقترفها بصورة أو بأخرى. ومن ثمَّ فقد دفع من تجرَّأ -أو تهوَّرَ في عُرف البعض- وقالها، ثمنًا باهظًا: سنوات من السجن والإذلال، وربما -أيضًا- أقصى ما يمكن أن يدفعه: حياته.

كان الصمت في سورية، وفي بعض البلدان العربية أحيانًا، وفي هذه الظروف، ملجأً أو منفى. حذرًا وخوفًا من بطش نظم لا رادّ لحُكْمِها أو عن فعلها. وكان هذا الموقف تعبيرًا عن احترامهم لكلمة لا يستطيعون قولها ويأنفون من تشويهها. أو كانوا يقولون الكلام الدقيق بلا حرج، معتمدين على مراوغة اللغة، في الشعر أو في القص، يتوسلون بها إلى نقل رؤاهم بلا تنازل ولا تزييف. ذلك ما فعله الكثير منهم، حين تغولت الأجهزة الأمنية في العديد من البلدان العربية، في رقابتها، على كل مكتوب أو منطوق. وكان لا بدّ لكل كاتب من أن يشق طريقه لقول كلمته دون تنازل عن هذه الـ “لا” التي تعبّر عن رفضه لكل ما يجري من حوله.

ضمن هذا الإطار وبهذه الطريقة، كتب زكريا تامر قصصه الكابوسية منذ أوائل مجموعاته القصصية التي تلت مجموعته الأولى (صهيل الجواد الأبيض)، مثل (الرعد) و (ربيع في الرماد) (دمشق الحرائق) و(النمور في اليوم العاشر) وسواها، فضلًا عن مقالاته القصيرة التي لم تكن تقل إبداعًا في شراستها النقدية الغاضبة عن قصصه. وضمن هذا الإطار -أيضًا- أحال عبد السلام العجيلي -وهو غيض من فيض مما فعله طوال مساره كاتبًا قصصيًا- هزيمة حزيران إلى هزيمة عرب الأندلس، في قصته التي حملت مجموعته عنوانها الدّال: (فارس مدينة القنطرة) والتي صدرت على إثر هزيمة حزيران 1967، وسقوط مدينة القنيطرة تحت الاحتلال الإسرائيلي. وضمن هذا الإطار، بصورة أو بأخرى، أيضًا، وبعد أن كتب التاريخ الروائي للمجتمع المصري خلال النصف الأول من القرن الماضي، كان على نجيب محفوظ، وهو يعيش حقبته بكل ما عرفته من تطلعات وآمال وخيبات، أن يكتب بحرية الفنان أهم رواياته التي أفلتت من عين الرقيب بصورة أو بأخرى، مع سنوات الستينيات من القرن الماضي، ولا سيّما في روائعه (القاهرة الجديدة) و(ملحمة الحرافيش) دون نسيان تحفته (أولاد حارتنا) التي، وإن نشرت مسلسلة في صحيفة الأهرام، لم تنشر بعد ذلك ضمن دفتي كتاب في القاهرة. ولو حاولنا إعادة قراءة صلاح عبد الصبور أو أمل دنقل، على سبيل المثال لا الحصر، لوجدنا أن الشعراء لا يختلفون في ذلك عن الروائيين، لا في رفضهم ولا في تمسكهم بشرف الكلمة التي كانت لديهم بهذه الصفة، وكما برهنوا بالفعل، أساس وجودهم.

لكن آخرين، من الذين اتخذوا الثقافة مهنة، وقدموا أنفسهم على أنهم يؤدون رسالة، استطاعوا أن يعثروا على تسوية يقولون عبرها الكلمة المعنية، بصورة مراوغة على مقام آخر، مختلف، بحيث تسمح لهم بكل ضروب المزاودة في مختلف المجالات: الحداثة، والعلمانية، والثورية. وفي ظل السلطة الذي يتفيؤون به، كانوا يزينون للناس أنهم استطاعوا، بفضل حنكتهم، إقناع السلطة التي يعيشون في ظلها، ويتمتعون بما تسبغه عليهم من فتات نعمها، وحملها على أن تتبنى المعاني التي يضفونها على هذا المفهوم أو ذاك. وهو ما يجيز لهم، من ثمَّ، أن يتماهوا في هذه السلطة التي كانت قد تبنتهم بعد أن روّضتهم، وجعلت منهم محاميها ومعارضيها في الوقت نفسه. يستوي في هذا المجال صغار المثقفين وكبارهم، وخصوصًا حين تلتقي نوازعهم الأيديولوجية، أيًا كانت طبيعيتها ومرجعيتها، مع شعارات هذه السلطة التي تسوّق بها لنفسها أمام شعبها.

لدى كبارهم بوجه خاص؛ إذ من المضحكات المبكيات مثلًا، أننا وقد عزفنا عن قراءة نقدية معمقة لكتابه الأساس “الثابت والمتحول”، لم ننتبه إلى ما كان ينطوي عليه شعر صاحبه، من أبعاد فكرية ودينية وسياسية تضمنها كتابه النثري هذا. وكان لا بدّ من الثورة السورية، كي ترغم على وضع الأمور في نصابها بعد أن كشفت المستور. ألم نكن أمام فضيحة فكرية وثقافية وسياسية، حين قرأنا للمرة الأولى شاعرًا سوري الأصل، ملأ دنيا خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ثم انصرف إلى العناية بخلود اسمه في مختلف اللغات الأخرى، دون أن ينسى قوت يومه بالطبع، وقد صار شديد الغلاء، يكتب رسالة مفتوحة إلى “الرئيس المنتخب”، في بلد مهبط رأسه سورية، في الوقت الذي كان يعلم، كما يعلم جمهور قارئيه أو مستمعيه، أنه كان بذلك يزيف أمام الملأ جميعًا، معنى “الانتخاب”، لغويًا وواقعيًا وسياسيًا؟ أليس غريبًا أن يتحدث الشاعر نفسه عن القطيعة المعرفية الكاملة، كضرورة حاسمة للدخول في الحداثة، في الوقت الذي كان يجعل من الإمام محمد بن عبد الوهاب أحد رواد التنوير في عصر العرب الحديث، أو أن يصلي للثورة الإيرانية، بعد هيمنة آيات الله عليها إثر فعل سرقة موصوفة، شعرًا، عبر قصيدة كشفت في محتواها ودلالاتها ومناسبتها عن كل مخزونه العاطفي والديني والفكري؟ وكيف يمكن التوفيق بين ما سبق وبين قيامه، أمام جمهوره الغربي -على قلته- بمهاجمة النظم الديكتاتورية العربية، وعجز العالم العربي عن النهوض بفعل هيمنة الدين في مسامات مجتمعاته؟

لسنا أمام مثقف حذر أو خائف، لكي يعبر عن مثل هذه الآراء التي أثارت سخط قطاع كبير من الرأي العام العربي. بل أمام مثقف يتخذ موقفًا ينسجم كل الانسجام مع طروحاته التي عبّر عنها دومًا في نثره وفي شعره، ولم تحظ في وقتها بمن يفككها ويبين مدى تهافتها فكريًا وتاريخيًا. وهي مواقف وضحت دلالاتها منذ انطلاق الثورة السورية، عندما اتهمها بالسلفية لمجرد خروج الناس في تظاهراتهم من المساجد، متناسيًا أو متجاهلًا -على غرار النظام الذي كان ينادي رئيسه بالمنتخب- كل العوامل التي جعلت من المتظاهرين -مسلمين ومسيحيين معًا- يختارون المساجد نقطة تجمع لهم.

هذا الموقف ينبئ -أيضًا- عن مثيل له في اختيار السلطة، لا خوفًا منها ولا حذرًا؛ بل يعبر عن تماه كامل في خياراتها وشعاراتها، بل في أكاذيبها ومبالغاتها؛ ذلك الموقف، عبّر عنه مثقف آخر، شاعر وفنان تشكيلي! فكيف يمكن فهم جمل من هذا القبيل: “الآن الجيش السوري لا يخوض حربًا… إنه يقوم بمحاكمة مجرمين ودول مجرمة. الجيش السوري، الآن، هو المرجع”؟ كطيف يمكن أن يكتبها شاعر وفنان تشكيلي، في الوقت الذي يطلق فيه من يسميه هذا “الجيش”، نفسه، قنابله وبراميله وغازاته الكيمياوية، لا على الدول المجرمة ومجرميها، بل على الأطفال والنساء والمدنيين العزل؛ في الوقت الذي كان هذا الجيش نفسه يقتل المدنيين في البيوت والمستشفيات وأمام المخابز وفي الأسواق؟ هل يعلم ذلك أو يتجاهله؟ أم يرى أن كل ما يقال على هذا النحو ما هو إلا تلفيق من قبل “المجرمين والدول المجرمة”؟

موقفان يعكسان مواقف العديد من مثقفي النظام الأسدي اليوم في سورية، سواء في قفزهم على الحقائق العيانية المؤلمة التي تستصرخ العقل والوجدان، أو في إعادتهم تدويرها، كي تصير على ألسنتهم وفي كتاباتهم أكاذيب لا طائل من ورائها.

هنا، لا وجود لدى هؤلاء لكلمة “لا”.

ومن الواضح أن لا معنى لديهم، لـ شرف الكلمة، حين يهدروه بصفاقة واعية.

مقالات ذات صلة

إغلاق